ملقارت كتب:
بالطبع هناك الكثير من التفسيرات التي تساق لخلق تصور بديل ، مثل أن ورقة بن نوفل أو غيره كانوا يعينوا محمد أو أن محمد إفعتل الإسلام من أجل مجد شخصي أو أنه كان مصلح إجتماعي ، الخ وللأسف كثيرا ما نجد أن هذه التفسيرات متضاربة وغير مكتملة مما يسهل نقدها أو لا تكون ذات حجية قوية في مواجهة المؤمنين .
مرحبا عزيزي The sage
أشك أن دافع محمد كان المجد الشخصي ، وذلك جلي في عبارته الشهيرة :
(والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك فيه ما تركته).
ناهيك عن صموده في وجه المقاطعة والحصار والاذلال ولا سيما من المقربين من بني عشيرته.
كما وأشك أنه كان مصلحاً اجتماعياً كالمهاتما غاندي أو غيره إذن لسلك نهجاً سلميا في اصلاح ما يمكن اصلاحه من حوله تاركاً للاصلاح أن يتراكم عفوياً ليغدو نهجاً حياتيا .
كما وأشك في صنع ورقة له كما ركز على ذلك كتاب (مرحلة التكوين في حياة الصادق الأمين).
في المقابل لا يمكن لنا كدينيين أن ننكر الجوانب الهامة التالية في شخصية محمد:
* العبقرية الفذة.
* طول النفس والصمود في وجه القمع .
* البلاغة اللغوية الهائلة في أقواله وأحاديثه.
* الشخصية الكاريزماتية التي دفعت الكثير من أصحابه الى تقديم الأرواح رخيصة في سبيل حماية شخصه كما حدث في أحد وحنين.
* الشجاعة في القول والفعل ، فهو الذي صمد وحيداً في وجه جيش عرمرم في غزوة حنين باثاً في أتباعه الحماسة للالتفاف حوله من جديد وقلب موازين المعركة.
* الطموح اللامحدود، ولا أدل على ذلك من تكبيره في غزوة الخندق وصدحه: فتحت القسطنطينية، فتحت روما...الخ.
ومن ثم أرى أن محمداً شخصية غير عادية وغير عابرة على التاريخ الانساني وجديرة بالكثير الكثير من الدراسة والتحليل باستخدام كل ما توفر عنها من مصادر.
ورغم اعجابي بما حاوله الزميل الغريب بن ماء السماء لسبر غور هذه الشخصية في كتابه (خلف محمد قراءة نفسية) ، الا أنني لا أنكر أن ما قام به الغريب مغامرة شجاعة كان حرياً بها المزيد من البحث والتنقيب والتحليل، لا أقول ذلك مقللاً من شأن المحاولة- بل بالعكس- وانما أرى أنه يلزمها المزيد والمزيد لتكتمل.
شخصياً أعتقد أن محمداً كان ذا رؤيا شاملة ليس لتوحيد العرب واقامة دولتهم كما يقول الأستاذ القمني في كتابه (الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الاسلامية) بل تتسع لتطمح لنشر فكرة تهيمن على العالم بأسره ، وهو في هذا يختلف كثيراً عن الاسكندر المقدوني أو هنيبعل ، لأنه ببساطة يفتقد الى الجيوش والمقومات والملك الموروث التي امتاز بهما القائدان المذكوران.
أعتقد أنه يجب الانطلاق في البحث والتنقيب والتحليل من هذه النقطة ، ومهما كانت نتيجة البحث لا نملك الا أن نقر أن محمداً قد نجح فيما طمح اليه حتى بعد موته.
دعونا نتأمل في المواقف التالية:
* عندما شاهد رجل محمداً للمرة الأولى بعد أن ذاع صيته في الآفاق فارتعد ، فقال له:
( ويحك لست ملكاً، انما أنا ابن امرأةٍ كانت تأكل القديد).
* نزعه صحيفة فيها من التوراة من يد عمر بن الخطاب وقوله: ( والذي نفس محمد بيده ، لو كان موسى حيا بين ظهرانيكم ما كان يحل له الا أن يتبعني).
* صداقته السلمية عن بعد مع المقوقس عظيم مصر.
وفي الختام لا باس من التمعن في هذه السطور للكاتب والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارلايل في كتابه (الأبطال) :
"لوحظ على محمد منذ [صباه] أنه كان شابًا مفكرًا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين – رجل الصدق والوفاء – الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة . . وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ ! وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ، صارم العزم، بعيد الهم، كريمًا برًّا رؤوفًا تقيًا فاضلاً حرًا، رجلاً شديد الجدّ مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ الِبشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق.. وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد.. عظيمًا بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك.. فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء"
عزيزي ملقارت تحية:
المشكلة أن معظم الأخبار التي وردتنا والتي اقتبست بعضها تأتي من السير التي كتبت بعد الفترة التي من المفترض أن محمدا عاش فيها بوقت طويل. وهذا ما يجعلها غير موثوقة، ففي هذه الفترة التي لم يتم فيها أي تدوين توالت أحداث مهمة جداً منها توسع الدولة العربية الفتية لتصبح امبراطورية عظمى، ومن النتائج الطبيعية لهذا التوسع هو موت الكثيرين من معاصري الأحداث المهمة في نشأة الإسلام في حروب التوسع (فضلا عن الحروب الأهلية)، وتأثر الروايات بالأساطير المحلية لشعوب البلاد التي تم احتلالها وضمها للإمبراطورية.
أضف إلى ذلك العامل السياسي الذي كان بحاجة إلى أسس عقائدية تستند إليها الدولة الفتية، وهذا طبعاً يؤثر في صحة الرواية.
في غياب البحث الأركيولوجي في الحجار لا أعتقد بأنه من الممكن لنا أن نتوصل لأي نظرية مدعمة بالقرائن حول أهداف محمد.