اليوم هو الجمعة أكتوبر 31, 2014 1:53 pm
حجم الخط

الأديان

تغذية نسخة للطباعة

صفات الله

غرفة لنقاش الفكر الديني: عقائد، تاريخ، أدبيات ومناهج. لا يسمح بالحوار الديني-الديني للمقارنة وللتفضيل بين دين ودين من منطلق إيماني.

صفات الله

رقم المشاركة:#1  مشاركةبواسطة TheCross » الثلاثاء ديسمبر 16, 2003 2:47 pm

بما أن الله ذات، والذات لها صفات، إذاً فلله صفات. لكن نظراً لأن ذاته تفوق العقل والإدراك، كانت صفاته أبعد من أن نستطيع تحديدها أو تعيينها، ولذلك نكتفي هنا بالكتابة عما استطاعت عقولنا أن تدركه منها، وشهد الكتاب المقدس عن اتّصافه بها :

1 - وجوب الوجود : الموجود كما يقول الفلاسفة نوعان : ممكن الوجود و واجب الوجود . و ممكن الوجود هو الحادث الذي لا يوجد إلا بسبب ولا ينعدم إلا بسبب، ولذلك فهو لا يتقدم السبب ولا يلازمه، بل يكون بعده، ومن أمثلته الجماد والنبات والحيوان. أما واجب الوجود فهو وحده القديم الأزلي، الذي يحتاج في وجوده إلى موجد، لأن وجوده من مستلزمات ذاته، ولذلك لا يجوز أيضاً القول إنه أوجد ذاته، لأن قولاً مثل هذا يدل على أنه كان متقدماً على ذاته، وهذا محال. وهو ثابت إلى الأبد لا يزيد ولا ينقص ولا يطرأ عليه تغيير ما. ولذلك فالله دون سواه هو واجب الوجود " الفلسفة الإغريقية ج2 ص 62 والفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 176 وسلك الفصول ص 28-30 وتاريخ الفلسفة في الإسلام ص 139 واللاهوت النظري ج2 ص 120-127 " . ولو فرضنا جدلاً أن واجب الوجود ليس له وجود كما يدّعي بعضهم، لقضى علينا المنطق بالتسليم بوجوده، لأنه لا بد أن ننتهي في بحثنا عن علل الأشياء، إلى علة أولى لا علة لوجودها، هي علة واجبة الوجود، وأصل ومصدر كل الأشياء. لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لانتهى بنا بالبحث إلى التسلسل في الأزلية إلى ما لا نهاية له، وهذا ما لا يتفق مع العقل إطلاقاً.

فأي نوع منهما يتناسب مع الله؟

الجواب : بما أنه لو كان الله ممكن الوجود لكان مثله مثل العالم، وتبعاً لذلك لما كان في إمكانه أن يوجِده " لأن العالم لا يستطيع أن يوجِد من تلقاء ذاته، عالماً مثله " . فمن البديهي أن يكون الله واجب الوجود . والكتاب المقدس يعلن هذه الحقيقة. ففضلاً عن الآيات الكثيرة التي تشهد بها عنها " كما يتبين فيما يلي من هذا الفصل " فهو ينبئنا أن الله قد أطلق على نفسه باللغة العبرية " وهي لغة التوراة " اسم يهوه أي الكائن بذاته واجب الوجود.

وبما أن الله واجب الوجود، فهو لم يكن مسبوقاً بوجود أو عدم، وإذاً فهو ليس منذ الأزل فحسب، بل أنه أيضاً الأزلي . وبما أنه الأزلي فهو أبدي كذلك، لأن ما لا بداية له، لا نهاية له. وقد شهد الفلاسفة على اختلاف الأديان التي ينتمون إليها، بهذه الحقيقة، فقال مليسوس : ليس لله مبدأ، وما ليس له مبدأ، ليس له نهاية . وقال القديس أوغسطينوس : لله الأزلية الحقيقية . وقال القديس غريغوريوس : الله ليس له ابتداء أو انتهاء . وقال الفارابي وابن سينا : الله واجب الوجود، ووجوده لذاته . أي أنه لم يكن مسبوقاً بعلة أو زمن.

والكتاب المقدس ينص على أزلية الله وأبديته بكل وضوح، فقد قال : إنه الأول والآخِر " إشعياء 44 :6 " وإنه مُنْذُ الْأَبَدِ اسْمُه " اشعياء 63 :16 " ولذلك خاطبه موسى النبي بالوحي : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ أَوْ أَبْدَأْتَ الْأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ أَنْتَ اللّهُ " مزمور 90 :2 " 019 مزامير|90 :2",4.

2 - القدرة : بما أن الله هو خالق العالم وحافظه ومدبره، فهو قدير بقدرة لا حدَّ لها. ويقول الكتاب المقدس : عِنْدَ اللّهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ " متى 19 :26 " . وقال أيضاً : اللّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ " تكوين 48 :3 " ولذلك خاطبه أحد الأنبياء بالوحي : لَكَ ذِرَاعُ الْقُدْرَةِ. قَوِيَّةٌ يَدُكَ. مُرْتَفِعَةٌ يَمِينُكَ " مزمور 89 :13 " .

3 - الإرادة : بما أنه ليس من المعقول أن يكون الله قد خلق العالم مُرْغَماً " لأنه ليس هناك من يرغمه على القيام بعملٍ ما " إذاً فهو مريد، ولذلك قال الوحي : كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ " مزمور 135 :6 " وقال أيضاً عنه : الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ " أفسس 1 :11 " .

4 - العلم : بما أن صانع الشيء يعلم كل شيء عنه، وعمَّا يمكن أن يطرأ عليه، إذاً فالله على علم أزلي تام بجميع الأشياء التي في العالم. إذ فضلاً عن كونه خالق العالم، ويعرف كل شيء يمكن أن يطرأ عليه في كل الأزمنة تبعاً لذلك، فإنه لا يتأثر بالزمن على الإطلاق، لأنه أزلي أبدي. وينص الكتاب المقدس على علم الله بكل الأشياء، فقد قال : مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الْأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ " أعمال 15 :18 " . ولذلك خاطبه داود النبي بالوحي : يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. مَسْلَكِي وَمَرْبَضِي ذَرَّيْتَ، وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي إِلَّا وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا " مزمور 139 :1-4 " . وقال بولس الرسول : يَا لَعُمْقِ غِنَى اللّهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الِاسْتِقْصَاءِ!! " رومية 11 :33 " . وقال أيضاً : وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذ لِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا " عبرانيين 4 :13 " .

5 - البصر والسمع والكلام : بما أن المتَّصف بالعِلم يكون بصيراً، والذي له علاقة مع غيره يكون سميعاً وكليماً، وبما أن الله عليم وله علاقة مع خلائقه، إذاً فهو بصير سميع كليم، ولذلك قال الوحي منتقداً المعترضين على قدرة الله على السمع والبصر : اِفْهَمُوا أَيُّهَا الْبُلَدَاءُ فِي الشَّعْبِ، وَيَا جُهَلَاءُ مَتَى تَعْقِلُونَ؟ الْغَارِسُ الْأُذُنَِ أَلَا يَسْمَعُ؟ الصَّانِعُ الْعَيْنَ أَلَا يُبْصِرُ؟ " مزمور 94 :8 ، 9 " . أما عن كلامه بصوت مسموع، فقد نصَّت عليه آيات كثيرة يصعب حصرها، فاقرأ على سبيل المثال تكوين 3 :9 ، 22 وخروج 20 :1.

6 - الكمال : بما أن الله هو الذي أوصانا أن نعمل الخير ونتجنب الشر، وهو الذي أودع فينا الضمير الذي نميز به بين هذا وذاك، إذاً فهو كامل أيضاً في صفات القداسة والمحبة، والعدالة والرحمة، وغيرها من صفات الكمال. وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وجدنا أن الإعجاب بكمال الله قد سبى عقول الأنبياء حتى عجزوا عن الإحاطة به عجزاً تاماً، فخاطبه داود النبي : ببِرُّكَ " أي استقامتك " إِلَى الْعَلْيَاءِ يَا اللّهُ الَّذِي صَنَعْتَ الْعَظَائِمَ. يَا اللّهُ مَنْ مِثْلُكَ؟! " مزمور 71 :19 " . وأيضاً : يَا رَبُّ فِي السَّمَاوَاتِ رَحْمَتُكَ. أَمَانَتُكَ إِلَى الْغَمَامِ,,, مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ!! " مزمور 36 :5-7 " . كما خاطبه موسى النبي : مَنْ مِثْلُكَ,,, يَا رَبُّ؟,,, مُعْتَزّاً فِي الْقَدَاسَةِ؟! " خروج 15 :11 " . وقال يوحنا الرسول عن اتصاف الله بالمحبة : الله محبة " 1يوحنا 4 :8 " . أي أنه ليس محباً فقط، بل إنه أيضاً محبة، أو بتعبير آخر إن محبته لا تنضب، أو تقل على الإطلاق.

ولا يُقصَد بالقول الله محبة أن صفة المحبة هي ذات الله، كما يقول بعض الفلاسفة إن صفات الله هي ذاته، بل يُقصَد به أن كيانه " إن جاز هذا التعبير " يفيض بالمحبة، وأن محبته لا حدَّ لها.

7 - الثبات أو عدم التغيُّر : بما أن الله أزلي أبدي، إذاً فهو لا يتغير في أية ناحية من النواحي. فمثلاً لا تتغير صفاته كالعدل والرحمة والقدرة، فيصبح يوماً ما متساهلاً أو قاسياً أو عاجزاً. ولا تتغير أقواله من نبوات ووعود وأوامر ونواهي، فيلغي بعضها ويأتي بغيرها، بل أنه يظل كما هو بذاته ومقاصده، إلى الأبد. وقد شهد بهذه الحقيقة فقال : لِأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لَا أَتَغَيَّرُ " ملاخي 3 :6 " . ولذلك كشف عن عيني بلعام، فقال : لَيْسَ اللّهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ، وَلَا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفِي؟! " عدد 23 :19 " .

فالله " كما أجمع الفلاسفة المؤمنون بوجوده الذاتي " لا ينتقل من العدم إلى الوجود، لأنه لا علة لوجوده أصلاً. ولا ينتقل من الوجود إلى العدم، لأن وجوده واجب. ولا يتغير في أية صفة من صفاته، لأنه كامل في ذاته كل الكمال. وما أصدق ما قاله القديس أوغسطينوس في إحدى صلواته : كما نعرف أنك أنت الموجود الحقيقي وحدك، كذلك نعرف أنك أنت وحدك الموجود بلا تغيّر، والمريد بلا تغيّر .

8 - الحياة : بما أن الصفات السابق ذكرها لا توجد في الجماد بل في الحي، إذاً فالله حي. نعم، بل وهو رب الحياة لأنه خالق العالم وكل ما فيه، والشرط الأساسي في الخالق أن يكون حياً. ولذلك كان الأنبياء عندما يتكلمون عنه يقولون : حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ " 2ملوك 5 :16 " . كما قال أيوب الصديق عنه : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ " أيوب 19 :25 " . وقال بولس الرسول : رَجَعْتُمْ إِلَى اللّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللّهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ " 1تسالونيكي 1 :9 " . كما قال يوحنا الرسول : يَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ " رؤيا 4 :10 " .

أخيراً نقول إن هذه الصفات لكونها صفات الله، فهي تمتاز بالآتي :

1 - إنها غير محدودة سواءً في قوتها أم في فعلها، لأنه تعالى لا يحدّه حدّ.

2 - إنها متوافقة معاً كل التوافق، لأن من دواعي كمال الله ألا تطغَى صفة فيه على صفة أخرى. فمثلاً صفة الرحمة فيه لا تطغى على صفة العدالة، وصفة العدالة فيه لا تطغى على صفة الرحمة، بل إنهما متعادلتان كل التعادل ومتوافقتان كل التوافق، وهكذا الحال مع كل صفاته المتقابلة كالقوة والصبر، والعظمة والوداعة، وغير ذلك.

3 - إنها أصلية فيه فهو قدير عليم مريد سميع بصير كليم أزلاً، قبل وجود أي مخلوق من المخلوقات، لأنه كامل في ذاته كل الكمال، ولا يكتسب شيئاً من الخصائص أو الصفات، لأن الاكتساب يدل على التغيُّر، وهو لا يتغير.

هذا بحث مختصر عن ذات الله وصفاته، وليس في وسعنا أن نكتب عنه أكثر مما كتبنا، لأنه ليس له شبيه حتى نستطيع وصفه وصفاً كاملاً، فقد قال لنا : بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟! " إشعياء 46 :5 " . والجواب : طبعاً، لا شبيه لك ولا نظير يا الله، لأنك القوي ولا حدَّ لقوتك، والكامل ولا نهاية لكمالك، والحكيم ولا آخر لحكمتك، ولذلك لا يمكن الإحاطة بك على الإطلاق!
إن قلبي ليس يهوى غير فادي الحبيب
بإسمه نلت خلاصاً إذ فداني بالصليب
صورة العضو الشخصية
TheCross
مشترك برونزي
 
مشاركات: 30
اشترك في: الخميس نوفمبر 06, 2003 3:23 pm
الجنس: غير محدد

العودة إلى الأديان

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: truthseeker2014 و 7 زائر/زوار

Site Login