اليوم هو الخميس أغسطس 28, 2014 1:17 pm
حجم الخط

الأديان

تغذية نسخة للطباعة

مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

غرفة لنقاش الفكر الديني: عقائد، تاريخ، أدبيات ومناهج. لا يسمح بالحوار الديني-الديني للمقارنة وللتفضيل بين دين ودين من منطلق إيماني.

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#31  مشاركةبواسطة Dom Deschamps » السبت فبراير 21, 2009 2:23 pm

KHOLIO كتب:
ألم أقل لك في البدء عزيزي ’ دوم ‘ فصبرٌ جميل :)

بانتظار ملاحظاتك وابداء ماغيرته في وجهة نظرك ومالم تغيره بعد :)

دُمت بخير..
Dom Deschamps كتب:
حسناً ’خوليو‘ ...
تابع النشر ...
وإن كنت أرى إنى سوف أقلب تأويلى وسيحتفظ مع ذلك بصحته .
تحياتى
.

ألم أقل لك في البدء عزيزي ’ دوم ‘ فصبرٌ جميل :)

بانتظار ملاحظاتك وابداء ماغيرته في وجهة نظرك ومالم تغيره بعد :)

دُمت بخير..

كفاك طرداً يا رجل ...
لا أستطيع التعليق الآن إلا بعد نشر الكتاب كاملاً .
ودمت بصحة وسلام .
oh my friends , there is no friend ...
صورة العضو الشخصية
Dom Deschamps
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 1301
اشترك في: الأحد مايو 11, 2008 4:52 pm
الجنس: غير محدد

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#32  مشاركةبواسطة Ashraf2012 » السبت فبراير 21, 2009 4:08 pm

KHOLIO كتب:
’ مقدمة ‘


تشكل نصية القرآن الإعجازية- بكلياتها العلمية والغيبية والأدبية- حضوراً دلالياً في الوعي الفلسفي والديني والنقدي، ولعل ما يميز حضورها هذا هو نوعية الأسئلة التي تثيرها بوصفها مرجعية أدبية وفنية خالدة الأمر الذي يجعلها خاضعة دوماً لجدلية المقاربة والمدارسة. وبذلك يظل حضوراً سرمدياً يتردد صداه في دواخلنا ليس بدافع ديني أو أخلاقي كما يتبادر إلي الذهن، وإنما بوصفه النص المعجز الذي صنع من الذهنية العربية أمة تحمله إلى الإنسانية قاطبة. لذلك كان من الطبيعي أن يعنى المهتمون به، محاولين فهمه وتفسيره ومعرفة خباياه واستكشاف مقدراته الجمالية الإعجازية.
وبمقتضى ذلك، أصبح محوراً لأهداف التفكير والتأليف في الأمة وينبوعاً للكثير من جداول ثقافتها.
غير أن التنظير في مجال الدراسات الأدبية والفنية التي يشي بها المتن القرآني أمر غير بسيط بالرغم من أنه الكتاب المجسد للظاهرة الجمالية والفنية على حد سواء.

وإذن، فيجب العودة إلى هذه المرجعية المقدسة وتقديمها على أساس أنها باعثة تنهض على وتيرة استدعائية من شأنها إخراج هذا المعطى الإلهي من التفعيل السطحي والمقاربات البسيطة التي ظل مسرحاً لها ردحاً من الزمن، إلى فضاءات أرحب تعامله بوصفه خطاباً مفتوحاً على التوالد ينبغي استدعاؤه بما هو متصور ذهني- محكوم بضوابط إيمانية وأخلاقية- لا يقع في حدود الجاهز والقبلي.

إننا نعتقد أن الدراسات التي أقيمت من حول هذا المعطى الجمالي المجسد في المتن القرآني- والتي كان وراءها أعلام اشتهرت بمؤلفاتها في إعجاز القرآن- لم تتجاوز حدود الاستحضارات البلاغية من بيان وبديع، الشيء الذي جعل نظرة أغلبهم مجرد رؤية تأملية حققت في مجملها آية (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ولم تتجاوز مبدأ الانبهارية والإعجاب.

ونحن نتصور أن مثل هذه الرؤى، لم يستطع أصحابها تجاوز حدود المرجعية التراثية التي تقوم على أساس الاحتفائية القرآنية التي ناشدها كل من تمرس على الشاهد القرآني (قراءة وتنظيراً).
من هنا كان لزاماً أن نبحث عن وسائل جديدة من شأنها تحسس الخطاب القرآني واستجلاء مكنوناته النصية. من هذا المنظور تأتي فصول هذا الكتاب لتباشر تجربة علها تكون جديدة بحكم اتصالها بالمتن القرآني من جهة وما تتسم من قدرة في كونها تقود النص إلى أنظمة التفكير التأويلي بعيداً عن الممارسات المسطحة التي تسلطت على هذا النص فتركته خاماً موصداً، من جهة أخرى.

والواقع أن مثل هذا التصور يحتاج إلى وعي نقدي ورؤيوي يلغي مبدأ التلقي ويطرح مبدأ المساءلة.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مضمونية هذا الطرح بدءاً بالهزة الأدبية الإعجازية التي أحدثها هذا المتن الذي كان تحولاً في حياة العرب الأدبية. وطالما قرأنا أخباراً عن تأثر سلاطين البلاغة وأرباب البيان بالنص القرآني. ولعل أعلام العصور الأولى يكون قد استشعرها هذا الطرح (حيث روي عن ابن مسعود أنه قال: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن)
غير أن هذا التثوير ظل قائماً على وتيرة استرجاعية مديحية، مما أحال معظم الدراسات القرآنية إلى ركام من الألفاظ المكررة، مما جعل مبدأ التثوير معطلاً جاثماً ولازماً ثابتاً.

على حين نجد الإنتاجات الأدبية (إبداعاً وتنظيراً) في مجالات أخرى تتصل بالنصوص الوضعية، قد توهج فيها هذا المبدأ بطريقة تجاوزية غورية، فعلت النص وأخرجته من سكونه المميت.

والواقع أنها حققت رؤى نقدية جديرة بالمتابعة، لأنها في مدارستها نهضت على مبدأ القلق والحيرة والافتراض والتأويل. على حين ظل المتن القرآني بعيداً عن مثل هذه المقاربات النقدية التي من شأنها ملامسة جوهره وتمظهراته البنيوية والإيقاعية والسردية… وهلم جرا. بمعنى آخر ظلت القراءة أحادية بالنسبة لهذا النص الكريم. وفي خضم هذه الجدلية يحاول هذا الكتاب محاورة أدبية الخطاب القرآني ضمن رؤية كشفية تقوم على الذائقة الجمالية، وتلغي قناعات النص في طروحه الناتجة عن حصيلة الحكم الجاهز وتقصي تلك المقاربات التقليدية التي اغتدت عاجزة عن أن تستوعب العلاقات المختلفة التي يطرحها النص في ظل عالميته وخلوديته التي ظل ينشدها (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) هذا العالم الآن يحيا في ظل العولمة التي تعقدت فيها معطيات العصر وتشابكت، وفي ذات الآن تقاربت وتفاعلت.

فالرحمة -من هذه الوجهة- لا ينبغي أن تحمل مفهوماً واحداً ينحصر في الهداية والرشاد، بل تشمل العلم والحضارة والتطور، وحتى العولمة بمفهومها الإسلامي المتجسد في آية (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) فضلاً عن العلم الديني والأخلاقي والتشريعي الذي يبسط جناحه على الفكر الإسلامي بصورة عامة.

ولقد نعلم أن دراستنا هذه، إذا كانت تتصل بإعجاز القرآن وما ينبثق عنه من مسائل أفاض فيها المفسرون فإنها لا تفي بالغرض المنشود، لذلك فضلنا أن نجنح بهذا المتن العظيم إلى عوالم قرائية محكومة بظابطين: الإيمان بالمنقول، والاجتهاد بالمعقول، معتمدين في ذلك على أنواع من القراءات التحليلية والتركيبية التي نأخذ منها ما يناسب هذا الكتاب العظيم، ونلغي ما يتعارض مع توجهنا الإسلامي وفطرتنا التي فطرنا الله عليها، وفي الوقت ذاته نزيح عن هذا النص العظيم ذلك التراكم المديحي الذي أحاله إلى تحفة بلاغية محصورة في ذاكرة الإنشائية والحشو الزائد.

غير أن هذا الانعطاف الذي نستشرفه- وإن شكل مساراً جديداً وأحدث قطيعة مع الممارسات الكلاسيكية- فإنه غالباً ما يتخذ من تعدد وتنوع الفعل القرائي أسلوباً يعالج به تلك المساءلات والافتراضات والتأويلات التي ما تفتأ تشي بها مفردات القرآن الدلالية.

وإذا كان المنهج القرائي بهذه الأهمية فسيعرف في قطاع أدبية النص القرآني-لا مناص- تنوعاً في المعاني والدلالات، بالرغم من اختلاف المنطلقات والأنماط الثقافية التي تولد في كنفها هذا المنهج أو ذاك.
ولقد تبين من خلال ذلك أننا أمام رؤى جديدة تؤسس تصوراتها ومفاهيمها مما استجد في هذا المجال في الدراسات الغربية بالأصالة وامتداداً إلى نظيرتها العربية بالتبعية، مما جعل المفاهيم التي استقر عليها عرف النقاد والتي مارست سلطتها ردحاً من الزمن، في تطور وتجدد مستمرين، الأمر الذي يستدعي الوقوف عند الجديد وإعادة النظر في القديم بقراءته قراءة واعية استكشافية.

إن المفاهيم المتعلقة بالشخصية والسرد وما يتبع ذلك من مقومات تتصل بالأصول السردية قد تغيرت بفعل عوامل متضافرة حداثية تحاول أن تؤسس مشروعاً نقدياً وإبداعياً ينهض وفق هذا التصور.
من منظور هذا الطرح، وجد هذا الكتاب نفسه يتحدث عن مستويات السرد الإعجازي في القصة القرآنية، وفي ذات الآن يجيب عن تساؤلنا الذي ظل يراودنا- لأن الذي نتحسسه ونحن نباشر النص القرآني- هو كيف نستكشف لا محدودية هذا النص المقدس من حيث تنوعاته السردية وعطاءاته التي لا تنتهي؟ وهنا تبرز- وبإلحاح- ضرورة الاعتماد على المناهج القرائية الحداثية التي لها من القدرة ما يمكنها من الغوص في أعماق هذا المتن لاستجلاب مكبوتاته التي لا يقذفها لمجرد ملامسته بل يحتاج إلى رؤية غورية إفضائية تجاوزية.

ولعل استخدامنا لمصطلح مستويات بدل تقنيات يرجع إلى محاولة تخليص النص القرآني من الشعور بالآلية والتجريد من النفحات الأدبية التي تعتمد على الشعور والمدركات المعنوية، كالخيال والتأمل وما يرافق ذلك من مظاهر التفكير المعروفة.

أما كوننا عددنا المستويات السردية فلأنها كذلك في القصة القرآنية، بحكم أن النص القرآني يعتبر أغنى الآثار السردية العربية بأنواع السرد، لما يتوفر له من مقومات السرد العبقري المعجز.
إلا أن هاجس التطلع إلى الجديد يظل محظوراً بحكم قدسية النص وما يترتب عن تجاوزيته من أحكام عقابية.
غير أن مدارستنا جاءت لاغية لهذه النظرة المعرقلة للمسار العلمي والمعرفي الذي ينبغي أن يكون عليه القرآن بوصفه نصاً موجهاً للإنسانية جمعاء، فضلاً عن أنه ينهض على العقيدة والتشريع.
إن المستويات السردية تظهر بوضوح في الآثار السردية، التي مازال يجمع النقاد والباحثون على أنه لا يمكن لأي أثر سردي في تاريخ أدبنا العربي، أن يكون أرقى وأغنى وأوفر حظاً من هذه السحرية السردية التي يتميز بها النص القرآني.

وعسى أن يكون وصفنا للسرد القرآني بالإعجازية مؤسساً انطلاقاً من طبيعة السردية البشرية الوضعية، بالرغم من أن بعض المستويات-في حدود قراءتنا- وجدناها حاضرة في أعمال سردية شهيرة كألف ليلة وليلة وأدبيات ابن المقفع والمقامات، وفي بعض النماذج الروائية من أدبنا العربي الحديث، وهي تتماس-في تمظهرها- مع السردية القرآنية.

أما تخصيص عملنا هذا في مجال القصة القرآنية، فهذا ليس بدعا علينا، ذلك أن القص القرآني كثيراً ما كان موضوعاً لأطروحات جامعية، وموضوعات لمؤلفات عدة. نذكر مثلاً، قصة موسى لأحمد الجبالي، وقصة يوسف لإبراهيم أبو الخشب، وكذلك كتابي، التصوير الفني في القرآن للسيد قطب، والتعبير الفني في القرآن للشيخ بكري أمين- ثم كتابي، سيكولوجية القصة في القرآن للتهامي نقرة، والجانب الفني في القصة القرآنية لخالد أبو جندي.

إلا أن هذه الأبحاث- في مجملها- كانت تطغى عليها النظرة التعليمية، الأمر الذي جعلها بعيدة عن ملامسة جوهر المتن القرآني في جمالياته التي يفيض بها من إيقاعية ساحرة وسردية متنوعة، وزمنية جديدة وغيرها.
ولعل ميلنا إلى القص القرآني- بالرغم من أننا نعرف أنه ليس بالأمر الهين تحليل أثر سردي عميق، وما تقتضيه طبيعة التحليل من جمال هذا الأثر الذي يتعالى إلى الأبدي عن الضبط والتقويم- مرجعه إلى علل مختلفة نفترض أنها كانت وراء اختيارنا، أهمها:

- العلة الوجودية: ذلك أن بدء الخلق كان قصة بطلها آدم عليه السلام، ومنذ ذاك، والناس يروون ويروون.
- العلة الدينية: تتمثل في كون الكتب السماوية- بما فيها القرآن العظيم- كانت تستند في وعظها وإرشادها على فن القص.
- العلة الفنية: لأن الأسلوب القصصي مما تألفه النفس الإنسانية، لما فيه من متعة السرد وجمال الإيقاع، ولأنه لا يقوم على التجريد التقريري، ولا ينهض على وتيرة التشريع، ولا سبيل فيه إلى التأويلية بمفهومها السلبي المتسلط على النص القرآني ذي المعطى العقائدي.
- العلة التربوية: ذلك أن القصة القرآنية- في جوهرها- تعتبر أسلوباً تربوياً ينهض على التحسيس، والإثارة والتشويق. وهي مظاهر محمولة على المنظومة التبليغية في كل منزع تربوي تعليمي، فضلاً عن أنها تتحلى بمواصفات المرونة والقابلية والاستدعاء. فهي تعرض عبر السياقات القرآنية مفصلة أو مختزلة مطردة أو مبرقة، مفتوحة أو مغلقة.

- العلة الشخصية: ذلك أن القرآن الكريم رافقني أو رافقته منذ الطفولة، في رحلة كتابية من 1960 إلى 1970. تولدت عنها وحدة روحية وفكرية وشعورية، بيني وبين هذا النص المعجز. ولا تزال تلك العلاقة موجودة، ولا يزال ذلك الاستظهار قائماً.
إن المهم في كل هذا، هو أن الاهتمام بالقصة القرآنية عرفه المفسرون ابتداء.
غير أن السؤال الذي يطرح يتجه إلى علة هذا الاهتمام. هل هو الدور العظيم في التأثير والتوجيه والتحسيس؟
أم هو في تجليات الإله فيها؟ أم في الشعور اللامتناهي وروعة الغيب وتصرفات القدر؟ أم هو جمال الإبداع وكرم الإيقاع، وغنى السرد؟.

غير أن ميلنا يكون نحو التساؤل الأخير والذي اخترناه، وسبيلنا إلى ذلك قراءة داخلية للنص بأدوات إجرائية تمكننا من استجلاب دواخله بوسائله هو، لا بما نملك من تصورات قبلية.

إن السردية القرآنية- عنوان كتابنا- تعتبر مظهراً يتفاعل مع مكونات الخطاب القصصي، وبخاصة في عنصر الشخصية، مما يفرض السؤال: ما علاقة السرد القرآني ببناء الشخصية؟
وهي الرؤيا التي رافقنا في الفصل الأول للبحث عن سؤال التأمل الذي يشتغل على فضاء التعدد والاستشراف.

وقد تناولنا فيه جوانب تتعلق بالشخصية من منظور حداثي، مع الإشارة إلى النظرة التقليدية، وأيضاً حاولنا تتبعها من خلال قصة موسى في سورة القصص وتحركاتها عبر المدد السردي وعلاقتها بالأحداث وجوانب البيئة وتأثيرها في توجه حركة الشخصية الرئيسية، وما ينتج عن ذلك من تغييب لبعض أسماء الشخصيات في حدود فنية تتماس- في نظرتها- مع ما يسمى بالسردانية الجديدة، ثم تطرقنا لمظهر الأحداث تصنع البطل. فاغتدت أحداثاً متنوعة بين الحدث الصادق، فالخارق، فالمحظور فالعاطفي، وقد تجلت في تحركاته الموسومة بالقلق والاضطراب مما استحال إلى شخصية مركبة. ثم ظهور الشخصية الوحي والمرهصة بالحس النبوي والمحاطة بطقوس استقبال الرسالة.

والواقع أن السردية القرآنية مكونة من عناصر متباينة من شأنها استحداث أدبية السرد. هذه المكونات هي التي تشكل الفصل الثاني، المعنون بـ: مكونات السرد في الخطاب القرآني القصصي. في البداية تنظير حول التأويلية وعلاقتها بالمتلقي، كما ذكرنا بعض الشواهد التي تعتبر التأويلية مسوغاً إجرائياً حدثياً يمليه الشرع ويزكيه الفن ويباركه الفعل التنويري.

وليس مقصدنا من إيراد مثل هذه الشواهد هو أن نحتفي بمخزوننا التراثي المشرق إنما القصد، هو أن نبين أن من الباحثين أفراداً عالجوا في تخريجاتهم القرآنية النص المقدس من خلال استنطاق مادته اللغوية. إذ شرعوا الدلالة عبر آفاق تمس راهننا ولا تكرر معاني يحملها التراث بشبه تداولية لا تجديد فيها.

بعد هذا تأتي قصة الوليد بن المغيرة من خلال مقاطع سورة القلم الأولى نموذجاً. وفيه قمنا بإحصاء بعض مكونات السرد الأساسية- وإن كان بعضها ظاهراً لا يخفى على كل من علق بشذى من هذه الإجرائية الفنية وسدى منها شيئاً يسيراً- فكان أن باشرنا المكون الإيقاعي الذي خرج عن معهودية الإيقاع المرتبط بقواعد الوزن العتيق، إلى مستوى إيقاعي مغاير، ثم حديث عن تشاكل الإيقاع وتباينه وكذا تشاكل المعنى، ثم فصلنا الفونيمات في فئات مخصوصة، وربطنا ذلك بالسرد، فكان التأثير الإيقاعي في توجيه السرد واضحاً. أيضاً بينا العلاقة بين الإيقاع والمضمون المحكومة بمهارة وتجويد فنيين. ثم أومأنا إلى المكون السردي الذي أسميناه بالسرد الإضماري المشحون بأحداث صمت عنها المتن القرآني والتفتت إليها الشعرية في الأدب الحديث. وأشرنا إلى علة الإضمارية الفنية والبلاغية.

أما السرد الساخر فاعتبرناه مكوناً إجرائياً ركزنا فيه على بعض المواصفات التي وظفت بغرض تعرية الشخصية المقصودة، فكانت جوانب التعرية ناهضة على التداعيات اللفظية تارة، وعلى التصريح تارة. ثم حديث عن المكون الشخصاني حيث ركزنا على شخصيتين اثنتين كونتا النص السردي وهما. الرسول والوليد فكان المدخل للأول والمخرج للثاني. ثم انتهينا إلى خصيصة الهدم والبناء المسلطة على الشخصيتين. أما المكون الزماني فحاولنا أن ننظر له من وجهات نظر مختلفة، بين الأدبية والفلسفية والدينية وحتى الشعرية، وربطنا ذلك بالزمنية القرآنية وانتهينا إلى زمنية جديدة جديرة بالنظر، بما تطرحه من رؤية حداثية للزمن.

كما قدمنا آراء الفلاسفة الماديين والمثاليين، وخلال المكون هذا صنفنا زمنية قصة الوليد، فكانت نحوية تقليدية وزمنية أخرى اصطلحنا على تسميتها بالزمن الثوابي، والزمن العقابي، والزمن الساخر.
ثم ختمنا الفصل بقراءة في تقنية التصوير التي يكاد ينفرد بها النص القرآني وحده.

والحقيقة أن السرد القرآني لا ينسحب فقط على المجالات التعبيرية المتعلقة بالشخصية ولا المتعلقة بمكونات السرد وإنما يتجاوزها إلى مجال اللفظية القرآنية، الشيء الذي جعلنا نكتشف بعض الأنماط السردية التي أسميناها بالسرد الإيقاعي، فالإنشادي فالدائري فالإضماري، فالمشارك. وهو الأمر الذي نعالجه في الفصل الثالث المعنون بـ: مستويات السرد في القصة القرآنية. فكان حديثاً عن أنواع سردية اجتثثناها من آي القرآن العظيم، قمنا بمدارستها وفق منهج في القراءة قائم بذاته يستمد أصوله من مرجعية تجمع بين التراث والحداثة بغية إحداث منهج تكاملي، هذا المنهج القرآني المبني على المنقول والاجتهادي، نعني به القراءة التأويلية. ومن هنا تغتدي هذه الدراسة مشتملة على نظام لساني قائم على نمط من المفرداتية الذي يحيل القراءة في النهاية إلى فعل لساني لا غير.

للإشارة فإننا عند تناولنا للسردية القرآنية وعلاقتها ببناء الشخصية فضلنا أن نسمي الأشياء بأسمائها كما تأتت للنقاد المشتغلين في حقل القصة والرواية، من ذلك إطلاق مصطلح البطل على الفاعل المحوري في القصة القرآنية، وقد ينسحب ذلك على نبي من الأنبياء.

وليس مقصدنا من هذه التسمية أن نسوي بين نبي مبعوث ومجتبى ومحروس بعناية الخالق، وبين شخص ما من البشر، وظف فنياً ليحوز بطولة بطل في أي منزع نثري، وإنما غرضنا أن نفهم الدور العظيم الذي يقوم به الرسول في القصة القرآنية. فإطلاقنا للبطل- على نبي من الأنبياء- لا يعدو أن يكون مجرد تسمية شكلية عرضية.

وربما استطاع هذا المسعى (نعني به هذا الكتاب) أن يلقي مزيداً من الضياء على ما نتبناه منهجاً للدراسات القرآنية، وأن يقودنا نحو تأصيل مضمار للقراءة خاصة بمقاربة النص القرآني.
وبعملنا هذا نكون قد وضعنا كتاب الله موضعه العلمي، وفتحنا الباب واسعاً في وجه المسكونين بهاجس البحث والتنقيب في المتن القرآني، والعناية به في الدراسات الأكادمية الجادة.
وسبيلنا في ذلك، أن نضع بين أيدي المشتغلين في حقل الدراسات القرآنية هذا المسعى، فإن آنسوا منه رشداً فليدفعوا به نحو الأمام، وإلا يبقى اجتهاداً مفتوحاً وكفى.


يُتبع إن شاء الله......

كنت أظن أن العنوان : مستويات السرد الخرافي في القرآن
خرافات يعاقب عليها القانون = دجل
خرافات يدافع عنها المجتمع = دين
صورة العضو الشخصية
Ashraf2012
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 1447
اشترك في: الثلاثاء فبراير 17, 2009 11:07 pm
مكان: مصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#33  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأربعاء مارس 25, 2009 9:50 pm

يتمظهر هذا التشاكل في مستويين:

ـ تشاكل الإيقاع:

يظهر هذا التشاكل في البنية الصوتية التي تميِّز الآيات الثلاث، وذلك من حيث تناغمها وتناسبها وانسجامها، فهي تنهض على وتيرة إيقاعية واحدة.

إن وظيفة الأصوات الهندسية تظهر بوضوح في كل المقاطع، وعبرها تنسرب البنية الإيقاعية خالقةً بذلك حِسَّاً عميقاً، بدءاً بالنونات الأربعة ثم ما النافية في قوله (ما أنت) ومروراً بالتوكيدين في (وإن لك)، و(إنك) وباللام المزحلقة في قوله: (لأجر) (لعلى).

نجد استجابة الألفاظ لهذا التلون والتقابل بين الحروف واضحة، الشيء الذي جعلها ـ في ظاهرها ـ استجابة لبنية إيقاعية تخفيها الدلالة الصوتية لهذه الأحرف..

ـ تشاكل المعنى:

ونعني به المشترك الدلالي لكل من المحمول وموضوعه. فالمحمول هنا أدوات القسم الثلاث، والموضوع جواب القسم المتعدد.

غير أن هذا النوع من التشاكل وجدناه عند محمد مفتاح، وهو بصدد معالجة نص شعري، إلا أنه اتخذ مفهوماً جديداً عنده أطلق عليه (التشاكل الرسالة) ويجعل فاعليته الدلالية كاملة في فاعليته التواصلية، ويمثل شكلاً من أشكال التداولية، أو رسالة قصدية إفهامية، مما يجعل التشاكل الرسالة، عاملاً أساسياً في ضمان وحدة الخطاب( )...

وعنده هو " تكرار لنفس البنيات التركيبية (عميقة وسطحية) على امتداد قول"( ).. أو هو تكرار لوحدة لغوية..

إن تشاكل المعنى يظهر في القسم وجوابه..

ـ دلالاتها الإيقاعية: نلحظ إيقاعاً واحداً مطَّرداً تلتقي فيه أدوات القسم وجوابها، بحيث يظهر واضحاً على مستوى الخطية والصوتية.

ـ دلالاتها المحتواتية:

ن = في شكلها دواة ـ ويكون الحبر بداخلها قارا ثابتاً ـ يقابلها، نفي الجنون عن الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الذي يلغي صفة الجنون ويثبت صفة التعقل، مما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاقل ثابت رزين هادئ هدوء وتحجر الحبر داخل الدواة. فهناك ـ إذن ـ تقابل..
فانسجام الصوت "ن" مع المعنى المشار إليه، مظهر من مظاهر التشاكل الإيقاعي الذي يفضي إلى تفجير الدلالة المبثوثة داخل المكوّن الإيقاعي هذا..

القلم = الكلمة ـ هنا ـ تحمل معنى الإقرار، الكتابة، الاعتراف، الإشهاد. يقابلها: إثبات الأجر للرسول صلى الله عليه وسلم. وهنا يمكننا طرح السؤال الآتي: أليس القلم اعترافاً باستمرار الأجر غير الممنون للرسول صلى الله عليه وسلم؟.. ولعل الإجابة تكون بالإنعام حتماً…

يسطرون = السطر يعني الخط المستقيم. يقابله خلق الرسول صلى الله عليه وسلم. أليس الخط في شكله المستقيم تجسيداً لاستقامة خلقه صلى الله عليه وسلم؟

غير أن التشاكل ـ بمفهومه السيميائي ـ نجده قد لامس الإيقاع والمعنى معاً، الأمر الذي جعل المعنى متّحداً مع الصوت اتحاداً لا نظير له.

ولعل هذا يكون قد حصل بـ"وجود ارتباط لحمي عميق بين البنية الصوتية للكلمة وبين النبر الواقع عليها، ثم بين النبر وبين معنى الكلمة"( ) الشيء الذي جعل هذا النص القصصي ـ الذي تجسده الآيات الأربع ـ في صورته الإبداعية الشمولية تتفاعل فيه المكونات الصوتية والمكونات الدلالية والمكونات الإيقاعية تفاعلاً، يجعل الرؤية الكشفية كثيفة.

وربما يكون هذا إيقاعاً داخلياً يظهر في تلك العلائق المتحدة والمتفرقة في الدلالات والرموز، وما ينتج عن ذلك من مكوّنات نفسية وشعورية، كان يشعر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ينعت بثلاث صفات متواليات، والتي ارتسمت على صعيد البنية التركيبية للآيات الثلاث.

وقد يبدو أن حرف النون الذي ينهي هذه الفونيمات، لم يكن وروده اعتيادياً، وإنما لما يفيض به من شحنة نغمية، ولوقعه الجميل على النفس، وقدرته على تحريك العواطف وإثارة المشاعر.

وعسى أن يكون هذا التداخل في الصوت والبنية والدلالة، هو ما جعل الإيقاع منظوراً إليه على أنه خارجي من جهة ما يشاع من نغم ناجم عن الفونيمات الأربعة. وعلى أنه داخلي من جهة الدفقات الشعورية والتموجات النفسية التي رافقت ذلك الإيقاع الخارجي.

غير أن "الإيقاع الداخلي يتسلّط على الصياغة الداخلية لسطح النص الشعري خصوصاً، والأدبي عموماً، فيتخذ مظاهر إيقاعية تتلاءم فيما بينها داخلياً لتظاهر الإيقاع الخارجي وتنسجم معه"( ) مما يبين أن الجمالية الإيقاعية لا تقتصر على الإيقاعات الخارجية وإنما تتجاوزها إلى إيقاعات داخلية من الصعوبة استكناهها. وعلى هذا النحو كان النص القرآني في فونيماته الأربعة.

إن هذه السيرة الإيقاعية ألفينا الناقد الفرنسي فاليري يشير إليها بقوله: "إن النص الخالد هو الذي يشكل معناه مع مبناه كلاً لا يتجزأ!"( ) وهي الوتيرة التي يشهدها هذا النص القرآني.

إن الإيقاع الأول المرصود في الآيات الأربع والممثّل في الفئة الأولى ذو مضمون واحد يصور معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف وجوهها.

وهو أنه في دعوته وجد صدوداً من قبل قومه وعلى رأسهم الوليد، مما ثبّط من عزيمته فأصيب بنكسة تبليغية، بحيث وجد أمامه جداراً يحجب عنه تواصلية الخطاب، ويمدّد الهوة بينه وبين متلقيه..

ولما كان هذا حاله، لزم الأمر تقوية الكلام من أجل تقوية النبي وتثبيته، ذلك أنه "إذا كان الكلام مع المنكِر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد"( ) لذلك عدد أدوات القسم وعدد جواباتها، ونوع من أساليب التوكيد بالتركيز على حرف (إن) في موطنين:

 وَإنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ،

لما لـه من تأثير مباشر في رفع معنويات الرسول صلى الله عليه وسلم الهابطة. ذلك أن "إن" لا تستخدم إلا إذا كان للمتلقي "ظن في الخلاف…


ولذلك تراها تزداد حسناً إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن"( ) وعن طريق التوكيد، رفعت معنوياته، وشُحن شحناً مكّنه من القدرة على المجابهة، ومواصلة التبليغية القرآنية.

2 ـ الفئة الثانية : (ين):

وهي فونيمات: بالمهتدين ـ المكذبين ـ مهين ـ بنين ـ الأولين.
تواترت خمس مرات. غير أن الملاحظة التي ينبغي ذكرها، هي أن تغيّر البِنية الإيقاعية مرتبط بتغيّر المضامين التي تتجدد عبر السياق النصي، الأمر الذي يحيلنا إلى بنية إيقاعية معقدة.

3 ـ الفئة الثالثة: (يم): وهي فونيمات ـ عظيم ـ نميم ـ أثيم ـ زنيم...تواترت أربع مرات.

وهي ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمضمون، إنها مزاوجة تامة بينهما، لأن الإيقاع "هو إيقاع للنشاط النفسي الذي من خلاله ندرك ليس فقط صوت الكلمات، بل مافيها من معنى وشعور"( ).

ولعل المضمون المتجدد هنا، هو ما يمثله ذلك التلوّن الذي تتميز به هذه القصة في كل مكوناتها. فمن رفع معنويات الرسول، إلى تحذيره من مداهنة المشركين له، إلى تعرية شخصية الوليد، إلى الانتقام منه. كل هذا يستلزم تغيّراً في الشكل الإيقاعي الذي يرافق هذه المضامين.

4 ـ الفئة الرابعة: (وم): وهي فونيم ـ الخرطوم. تواترت مرة واحدة، وخَتمت الإيقاعات السابقة، فكأن حرف "الميم" الذي تُطبق فيه الشفتانِ وتضم، إعلان عن نهاية الوليد، نهاية دين الوثنية…
فإذا القصة كلها، تداخلت فيها هذه الفونيمات وتغيّرت نتيجة التجدد الذي يحدث على صعيد المضمون..

هذا التنوع الإيقاعي حدث نتيجة التنوع المضموني، وهو يعكس ـ في مظاهره ـ دلالات النص المختلفة. وبتنوع الإيقاع وبتكثيفه ـ عبر هذه الفونيمات ـ تسهل عملية حصر المضامين..
يحصل، هذا التداخل بين الإيقاع والمحتوى، حين يكون النسيج النصي محكّماً على صعيدي الشكل والمضمون. إنما "يتكثف الإيقاع هنا في حركة النمو في نسيج العلاقات الناهض بين هذه المكونات ويلف الإيقاع هذا النسيج، يسور فضاء، يدوره وذلك حين يتخذ الإيقاع شكل التواتر المتجول في النص ككل، والذاهب في أكثر من اتجاه أو المتداخل في حقول دلالات النص كلها"( ).

هذه الفونيمات ـ السبع عشرة ـ تشكّل في نهاية المطاف بنيّة النّص القصصي هذا، إضافة إلى مدود أخرى تنبع من داخل النص وهي متشابكة متداخلة مثل: ـ ما ـ لعلى ـ فلا ـ ودو ـ حلاف ـ هماز ـ مشاء ـ مناع ـ إذا ـ تتلى ـ آياتنا ..

ويختلف المد حسب طبيعة الحركة التي تنشأ من جرائه من حركتين إلى ست حركات.
وتتعقد بنية هذا النص وتزداد كثافة وحدة، وينبع التعقيد والكثافة من التحولات التي تطرأ على مضمون النص، هذه التحولات انعكاس لإيقاع النص وتجاوب داخلي له…

ثانياً ـ المكوِّن السردي:

نكتفي بمكونين سرديين، لأننا سنتعرّض في الفصل الثالث، إلى مكونات أو مستويات سردية عديدة..

1 ـ السرد الإضماري:

الإضمارية( ) تغييب لأجزاء مضمونية معينة بقصدية فنية عالية، غايتها إشراك المتلقي في التأويلية النصية بحيث تصير القراءة ـ في ظلها ـ تأويلاً لما يقال وراء ما قيل، مما يتبين للقارئ القرآني أن السردية الخطابية في القصة القرآنية تعتمد وبصورة وطيدة، على تقنية الإضمار أو الإيعاز. فتركيباته موسومة في العديد من المواضيع بخصوصية اقتصادية، يكتفي فيها الموقف بالإيماضية الخطابية، والإيماءة البيانية، الشيء الذي يجعل المفاعلة بين النص القرآني وذهن المتلقي مفاعلة إيجابية قائمة على ملء الفراغات البيانية التي يتجمّل بها الخطاب القرآني على اعتبارها حِلْية بلاغية يتميز بها النص القرآني..

غير أننا نجد لهذه الرؤية الحداثية (الإضمارية) حضوراً في آداب العصر الحديث، بحيث تحدث عنها أحمد أمين بقوله: "أن تخفي عن النظارة الحقائق الضرورية المتعلقة بالأشخاص أو الدوافع أو الحوادث، فتظل رغم دخولها في الحركة، عوامل مخيفة مجهولة، لا نعرف وجودها إلا بنتائجها. فإذا انضمت لها هذه الحقائق المجهولة فهمنا أسباب ما حدث، وكان لذلك تأثير عظيم علينا"( )..

إلاَّ أن هذا التعريف يصبح تقليدياً، إذا ما عايَّناه بمقاييس منظومة السرد الجديدة، لأنه يعتمد على عنصر الإخفاء والإدهاش واصطناع المفاجأة وهي خصائص كان عليها الفن القصصي التقليدي…
يظهر السرد الإضماري في موطنين متباينين من هذا النص:

أ ـ موطن القصدية الفعلية: وجدناها تظهر في حذف ثلاثة مفعولات من قوله تعالى: مَاَ يَسْطُرون ـ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرون ـ لَوْ تُدهِنُ فَيُدْهِنُون.

إن السياق السردي في هذه التراكيب يقود إلى طرح عدة تساؤلات وتوقع عدة احتمالات من جراء هذا الحذف..

ولعل الإجابة تكون مضمرة في ثنايا النسيج السردي الذي يعقُب كلّ مفعول، ليترك ذهن كل قارئ ينصرف إلى حيث استقر ذهنه في استبطان تلك الإضمارية. وهي ظاهرة تقنية تشي بها الحداثة، وبخاصة في مجال ما يسمى بالرواية الجديدة حيث ترمي إلى إشراك القارئ في النص، وهي لفتة تبليغية (Un geste communicatif) من شأنها الخروج بالإطارية السردية إلى فضاءات رحبة يتسع فيها المدد السردي ليشمل الباث والمتلقي معاً…

وفي هذا السياق يرى عبد السلام المسدي بأن "جوهر الأسلوب، إنما يكمن فيما يضفيه الباث على الفكر، بما يحقق كل التأثير الذي صيغت من أجله هذه الفكرة، أي أنه يرفق الفكرة بسهام تخز المستقبل فتستفزّه وتحرك نوازعه وردود فعله"( )..

ولعل الإضمارية ـ بهذه التوصيفية ـ تكون قد سجّلت حضورها في مرصودنا التراثي العربي. ويمكننا أن نحيل في هذا الشأن إلى التفطن المبكر للنظرية البلاغية التي أظهرت تصوراً يتماس مع النظرات الحداثية الجديدة، بحيث وجدنا البلاغة تعتمد على الحذف تحقيقاً لمقولة أكثم بين صيفي التي مفادها: "البلاغة الإيجاز( )"( )..

غير أن هذا التفاوت بين النظرة التقليدية التي صورتها البلاغة، وبين البعد الحداثي من وراء الحذف أو القصدية الإضمارية، إنما ينحصر في كون الأولى تنظر إلى الحذف من وجهة بلاغية صرفة، بحيث يمكن الاستغناء عن المفعول به مثلاً، إذا كان لا يستدعي ذكره أي جديد. في حين نجد الثانية ترمي وراء الحذف، إلى إشراك القارئ وشدّه إلى النص الأدبي، بعد وضعه في حيرة ليكون عنصراً مفعّلاً لدينامية النص، الأمر الذي جعلها نظرة فنيّة تحيل إلى الحداثة…

إن الجزء الأول من تعليل إخفاء المفعول به ـ والذي جاء في هذا التعريف: "لقد قرأنا في علم المعاني أن المفعول لا يحذف إلا إذا أريد أن يكون في ذهن السامع مطلقاً عاماً ينصرف إلى كل مفعول يتخيله الذهن، أو أن يكونمعلوماً وحذفه أولى من ذكره"( ) ـ هو الذي يقصد من وراء حذفه في المواطن الثلاثة ها هنا…

والواقع أننا نجد الذهن مثلاً ينصرف في (ما يسطرون) إلى فعل الكتابة التي تنشأ عن القلم.
وفي (فستبصر ويبصرون)، ينصرف إلى المصير المتربّص بالرسول والمشركين. وفي (لو تدهن فيدهنون)، يذهب إلى فعل المداهنة أو المساومة وتأثير ذلك على خطّ الدعوة الإسلامية..
ومما لاشكَّ، فيه أن القارئ نفترض أنه سيجد له مكاناً بفعل الاحتمالات التي يطرحها والتي من شأنها الوصول إلى ما وراء السردية الإضمارية التي يكمِّلها هو.

وفي هذا الشأن يقول غنيمي هلال: "أصبحت القصة الحديثة تتطلب من القارئ جهداً كبيراً للكشف عن هذا المؤلف من وراء الأحداث والشخصيات"( )….

يتّجه أحياناً السرد القرآني ـ في تقنية الإيعاز ـ إلى حذف جزء معين من النص، لينصَّب الاهتمام للشيء المذكور حيث يكون "ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الفائدة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا ما لم تنطق وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن"( )..

ولعل الإضمارية التي نحصيها نحن، هي ما يسميها بعضهم بمفهوم الاختزال لأن "الاختزال في أساليب القصة، هي نحو من البناء السردي الذي يفجر الإمتاع الذهني عند المتلقي، بنحو بالغ المدى. إنه يجعل المتلقي مسهماً في الكشف الفني مفجّراً تنقلاته الفكرية هنا وهناك مثرياً الذهن يربط شذرات الأحداث واللين لتداعياتهما"( ).

ب)ـ موطن القصدية الاسمية: يظهر في الجزء المتعلق بشخصيةالوليد، وبالضبط من قوله تعالى: «وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَفٍ…».

إنَّ السردية هنا تعرضت لفعل الشخصية، ولم تحفل باسمها الأمر الذي مكنها أن تخرج عن الاحتفائية المألوفة في نمطية القص التراثي..

إن عدم ذكر اسم الشخصية هو بقصد إيجاد شراكة حقيقية بين النص والقارئ..
وعسى أن يكون هذا، ما جعل السردية القرآنية، تعمد إلى هذا البتر الفني، الشيء الذي جعل الميثاق السردي ـ الذي يربط النص بالقارئ ـ باقياً، مما يستلزم وجود علاقة بين النص والقارئ، بحيث يجعله يحس بمكانيته في النص.

والواقع، أننا نجد هذا المكون الإضماري يخرج القارئ من فضاء التلقي السلب الساكن، نحو آفاق جديدة رحبة ينضم فيها إلى فضاء النص كمشارك في تفسيرية وتجلية مكامنه (قراءة وتذوقاً)، بحيث ألفينا النص القرآني ـ وبهذه التقنية ـ يحدد قارئه النموذجي، حيث أظهر جزءاً من الشخصية ينوب عنها، وهو صفاتها وأفعالها وتحركها دون أنْ يومئ إلى اسمها…

ولقد أخفى الشخصية كلية ـ وفي الوقت نفسه أظهرها ـ مما جعل مظاهر الإخفاء والإيماض موزعة على ثلاثة أشكال:

ـ أظهر ـ في الشخصية ـ تلويناتها الذاتية المميزة لها (حلاف، مهين، هماز)، وأخفى اسمها ـ في ضوء هذه الصفات ـ تاركاً للقارئ أن يفكر في اسم يتلاءم مع هذه النمطية.وهنا سِرّ الإضمارية.

ـ ثم أظهر فيها صورها العاكسة لعلاقاتها مع غيرها (مشاء بنميم، مناع للخير، معتد أثيم)، وظل اسمها مضمراً..

ـ ثم أظهر صفتها الجسمية (عتل) وصفة أخرى تتصل بانتمائها القبلي، والتي ـ في النهايةـ حددت عدم شرعية هويتها. وهي (زنيم)…

وهو في كل هذا الإيعاز، يصوّب القارئ، بحيث يشغل ذهنه فيتركه يفكر في إيجاد اسم ينسجم وفق النمطيات الثلاثة. وهذا سر المكوّن الإضماري…

ـ السرد الساخر: السخرية ـ هنا ـ لا نعني بها التهريج والإضحاك، كما يتبادر من التسمية. بل هي انعكاس لدرجة الوعي لدى الشخصيات الموظفة في النص القرآني، أو هي تقويض لبراهينهم التي يسوقونها تجاه موقف عقائدي مثلاً، فتكشف عن سذاجة الطرف الذي يجادل في أمر قضى فيه الخالق.

والسرد في القصة القرآنية لا يعري الشخصية تعرية واضحة مكشوفة، بليكتفي بذكر مظهر السخرية ويترك البقية للقارئ. كما سنوضح لاحقاً.

ومن المثير أن قصص موسى مع بني إسرائيل عامة، هي التي تجسد السخرية بشكل لافت( ).
يعرض السرد الساخر في القرآن بأشكال منها:

ـ الشكل الأول: يمارسِهُ القوم تجاه أنبيائهم كحال قوم نوح حين كان يصنع السفينة، فهم يمرّون عليه ضاحكين:

وَيَصْنَعُ الفُلكَ وَكَلَّمَا مَرَّ عليهِ مَلأٌ مِنْ قَومِهِ سَخِرُوا مِنْه… ( )

ـ الشكل الثاني: يكون أمر السخرية فيه متروكاً للقارئ من ذلك:

وَقَالَ فرعونُ يا أيُّهَا الملأُ مَا علمِتُ لكُم مِنْ إِلهَ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِيْ يا هَمانُ عَلَى الطِّينِ وَاجْعَلْ لِيْ صَرْحَاً لَعّلِي أَطْلَعُ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّه مِنَ الكَاذِبَينَ.( )

ـ الشكل الثالث: يعتمد فيه الإله المباشرة في تقديم السخرية من ذلك:

 وَالَّذِيَنَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِرْهُم بِعَذابٍ أَليمٍ..( )فكلمة بشرهم، فيها كثير من السخرية.

ولعل بعض ما يشي به السرد الساخر يكمن في جانبه الترويحي. فالقصة القرآنية تجمع "الفن إلى شيء آخر هام، فهي تعطي اللذة والمتعة الجمالية…".( )

أما المكوِّنُ السردي في مقاطع سورة القلم فيتجلى في شخصية الوليد المتحرشة بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقدمه السارد (الإله) على أنه غني ذو مهابة وجاه، يجيد الفنون البلاغية بما أوتي من فصاحة وبيان.

ومما يدّلُ على مكانته وتحرشاته بدعوة محمد هو حضوره في مناسبات قرآنية عديدة.( )
يظهر السرد الساخر في قوله تعالى: بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ. والزنيم: "قيل موسوم بالشر، لأن قطع الأذن وسم. وقال الفّراء: الزنيم الدعي الملصق بالقوم وليس منهم"( ).

غير أن كتب التفسير المختلفة استقرت على أمر الالتصاق واللقطة، بحيث يكون الوليد فيها لقيط بن زنا. وهو بهذه الصفة شبيه بزنمة الشاة. أي ذيلها..

ولا أعتقد أن هناك صفة أبلغ في التأثير على العربي من قولنا له: إنك لقيط. وبهذه الوسمة يكون السرد الإلهي قد سخر من الوليد سخرية لاذعة..

ويظهر أيضاً في موطن آخر في قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطومِ.

إن العرب تعتز بأنوفها فتجعلها مكان العز والشموخ، فلقد عبر القرآن "بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه.. وفي لفظ الخرطوم استخفاف به واستهانة"( ). وقيل معناه: "سنعلِّمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول صلى الله عليه وسلم عداوة بان بها عنهم، وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه"( ).

وقصدنا من إيراد هذه الشواهد أن يبين السرد الساخر المستخدم في القصة القرآنية، بحيث ألفينا النص القرآني يكتفي بذكر صفة معينة تحمل دلالات تكثيفية إيحائية تغمر مخيلة القارئ، حيث يذهب بعيداً لدرجة كره تلك الشخصية والحقد عليها..

وما ينبغي الإشارة إليه هو مبدأ الاختيارية الذي ينهض عليه السرد القرآني الساخر، بحيث وجدناه يختار الصفة التي من شأنها تفجير الشخصية من الداخل. وهو ما تلمسناه في لفظتي زنيم، والوسم على الخرطوم.

ويظهر في صفة ثالثة لا تقل إسفافاً ومهانة عن الصفتين الأخريين. وهي كلمة "عتل". والعتلة في لسان العرب"، حديدة كأنها رأس فأس عريضة في أسفلها"( ). وقيل: "العتلة: العصا الضخمة من حديد لها رأس مفلطح كقبيعة السيف تكون مع البّناء، يهدم بها الحيطان"( ). وفيه أيضاً: "والعتلة: الهراوة منالخشب"( )، و"العتل: الجافي الشديد في كفره. وقال الكلبي: هو الشديد الخصومة بالباطل".( )

إن الشواهد التي سقناها، الغاية منها تبيان دناءة الصفة التي ينتخبها الإله نموذجاً للسرد الساخر. فالعتلة في تمظهرها صفة كاريكاتورية ساخرة، تكشف عن شخص غليظ خلقاً وخُلقاً. لأن السخرية في القرآن: "ترتسم دائماً في سورة أو تقترن بصورة محددة بحيث يشعر السامع كأنه يرى هذه الصورة بعينه، ويرى موضع السخرية واضحاً بارزاً، ولكن الأسمى… أنها صورة مثيرة للانفعال والمشاعر"( )..

إن السخرية القرآنية ـ بالمفهوم الحداثي ـ هي تعرية الشخصية وكشفها من الداخل ومن الخارج قصد تبويئها المكانة التي تليق بها في المسار القصصي..

وقد لاحظنا أن السردية الإلهية اكتفت بثلاث صفات مكثفة جعلت الوليد يشعر بالمذلة التي آل إليها في شرفه، وانكشف له أنه لا يعدو أن يكون شبيهاً بهراوة من خشب، فضلاً عن أنه ملصق بقومه، أما أنفه الموسوم فيجعله محلاًّ للسخرية والتندر، بحيث ظل يتوارى من القوم من سوء ما وسم به، أيحجبه بيده على هون أم يتركه وكراً للذباب..؟

ويكون السرد الساخر قد حقق غايته متى اجتمعت هذه الصفات، (عتل، زنيم، خرطوم)، في من شخصه.

يـُـــــــــتبع إن شـــــــــاء الله..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#34  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأحد مارس 29, 2009 5:27 pm

ثالثاً ـ المكوِّن الشخصاني( ):

تعرضنا ـ في الفصل الأول ـ إلى السردية وبناء الشخصية ولكن بصورة اقتضتها عملية البناء الفني، وفرضتها خصوصيات قصة موسى. غير أن العملية ـ في هذه القصة ـ مختلفة استدعت لوناً جديداً وتقنية مغايرة، الأمر الذي جعل تعرضنا للسرد والبناء غير مكرور، وهو ما نوضحه حالاً:

إننا ـ وبدراستنا هذه ـ لا نتصور أنفسنا أمام تلك النمطية الشخصية التي كانت تميز قصص وروايات القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، بحيث كانت الشخصية فيه كل شيء، منحت قداسة وسلطة مطلقتين على النص..

إن الشخصية في القص القرآني هي تلك التي تظهر بوضوح، وتقدم بطريقة وصفية شاملة وتعمل على توجيه الأحداث، وهي ـ في صيرورتها ـ ما تفتأ تنمو وتتطور إلا وفق حركية الشخصية ونموها وتطورها. وهي بهذه الشاكلة تتقاطع مع الشخصية التقليدية. وفي الوقت نفسه هي أيضاً تلك الشخصية التي تتسم بالغموض والفوضى، بحيث لا يظهرها السرد إلا مبعثرة مجزأة، ولا تستكشف إلا بالعودة إلى بعض أجزائها المبثوثة عبر النسيج القصصي، وباستنطاق دلالاتها المختلفة. وهي بهذا يمكن تسميتها الشخصية الجديدة( ).

إن تلك المسميات التي كانت تلحق شخصيات الأعمال القصصية والروائية على حد سواء، ماهي إلا تجميد وتسكين لحركيتها عبر المدد السردي. ثم إن هذا التصنيف في حد ذاته لا يفعّل مقروئية القارئ، بل يتركه منجذباً ومشدوداً إلى التلقي الجامد الساكن مسلوباً إلى تحرك الشخصيات.
إن هذا التصنيف أصبح ضرباً من السخرية وجنساً من العبث: "والحق أنه من العسير تصنيف الشخصيات في أي عمل من الأعمال السردية إلى مركزية وثانوية وغير ذات شأن إطلاقاً، كما هو متعارف في النص السردي بمجرد المتابعة التي تقوم على الملاحظة( )"..

وعلى هذا فكثيراً ما نجد شخصية واحدة تتقاطع فيها كل المسميات فهي ثانوية في هذا الحدث ورئيسية في ذاك وأخرى في الثالث. وهذا في عمل قصصي واحد. الأمر الذي جعلنا نلغي هذه المسميات ونقصيها من بحثنا هذا…

غير أننا حين لجأنا إلى علم السيميولوجيا الذي هو: "علم موضوعه أنظمة العلامات أو الرموز التي بفضلها يتواصل البشر فيما بينهم"( ).. اكتشفنا طريقة جديدة في بناء الشخصية القرآنية، هي قريبة في تشاكلها مع ما تتميز به السردية الجديدة. وغايتنا هنا ليس إثبات حداثة النص القصصي القرآني، وإنما لنضعه في المكان العلمي الذي ينبغي أن يتموضعه.

إن هذه الطريقة تنهض على اللغة، إذ تجعل الألفاظ ذات مقصدية إفهامية من شأنها أن تحيل إلى خصيصة البناء الجوهري.

وكل عمل يجعل اللفظة مرتكزاً إبداعياً له، نفترض أنه يلجأ إلى السيميائية أو البنيوية التي تعوِّل على اللفظ بوصفه دالاً، الشيء الذي يجعل الدراسة متماسة مع السيميولوجيا. لأن "علم النفس والبنيوية وبعض المحاولات الجديدة للنقد الأدبي، كلها تدرس الواقعة بوصفها دالة، وافتراض الدلالة يعني اللجوء إلى علم السيميولوجيا"( ).

وعسى أن تكون هذه الأخيرة كفيلة بتحقيق بعض النتائج التي نرجوها من وراء هذا العمل، لأنها تعتمد على الدوال، ونحن مقصدنا اللفظ بوصفه دالاً وعنه نكتَشِفُ طريقة بناء الشخصية..
إن الشخصيات الموظفة في قصة الوليد لا يمكن دراستها إلا بواسطة العلامات المُميِّزة لها، واللجوء إلى العلامات يقتضي الدوران في محيط السيميولوجيا التي "تقوم على العلاقة بين العلامة والدال والمدلول، فالعلامة مكونة من دال ومدلول، يشكل صعيد الدوال صعيد العبارة، ويشكل صعيد المدلولات صعيد المحتوى"( )…

إلاّ أننا فيما توصلنا إليه لم نكن نحفل بالمضمون (المدلول) بل كان مقصدنا الدوال، لأننا ألفينا "اللغة تنهض بوظيفة سردية بنائية لا تقل عن وظائف الشخصيات، والحيز، والزمان، والحدث"( ).. وعلى هذا النحو كانت دراستنا…

1 ـ الشخصيات بحسب تواترها في القصة:

ما يمكن أن نلاحظه في قصة الوليد هو طغيان تقنيات توظيف الثنائية الضدية بصورة مكثفة، تجعل منها ظاهرة ذات دلالات معينة تمرّ عبر نسيج سردي محكم..

إن هذه الثنائيات في قصة الوليد هذه، تمثل النظام الذي يوجه القصة، ويحدد المسافة بين البطل (الرسول) والبطل المضاد (الوليد)..

ولعل هذا النظام يكون قد جاء من طبيعة القصة نفسها، لأنها تصور صراعاً بين عقيدتين إحداهما جديدة وأخرى بالية..

هذا الصراع جعل القصة تنبني على تصور ثنائي للأوضاع المتحينة زمن الدعوة الإسلامية. لقد كانت الشخصيات موزعة عبر القصة ومسخرة لتحقيق مبدأ الثنائية الضدية..

وهي حسب الظهور:

أ) ـ شخصية الرسول: يُظهرها السرد من بداية القصة أي من: "ن والقلم… إلى… المكذبين". وتتجسد بوضوح في الضمائر المستخدمة في هذه الفقرة (ما أنت… ربك… لك.. إنك.. فستبصر… ربك… فلا تطع.. لو تدهن.. ولا تطع)..

من خلال هذه الجمل نكتشف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعاني إحباطاً نفسياً حاداً من جراء تصرفات المشركين معه وخاصة الوليد..

ولتصوير هذه المعاناة، نورد بعض الشواهد التي يمكنها الكشف عن معنويات الرسول الهابطة حيث: "روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب"… وذلك أنهم تجرؤوا عليه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه"( ).

ولم يكتفوا بهذا، بل تمادوا حتى بلغت بهم الجرأة أن رمَوا الحوايا على جسده وهو يصلي. "فعن ابن مسعود قال: بينما رسول الله يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس. فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا ـ جزور بني فلان ـ فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض"( ).

ينضاف إلى ذلك آيات كثيرة مبثوثة هنا وهناك، تشير إلى مظاهر السخرية والاستهزاء اللتين كان يلاقيهما الرسول( )صلى الله عليه وسلم من قبل قومه، الأمر الذي جعل الساردَ يُجنِّدُ طائفة من الأساليب التي من شأنها رفع عزيمة الرسول وتقوية جنانه ومؤزراته..

إن ما يلاحظ على هذه الفقرة، أنها تتقاطع مع نظرية السرد الجديدة في نقطة واحدة. حيث ألفيناها تقوم على مخاطبة الشخصية بصيغة "أنت" كما هو واضح في: ما أنت… إن ربك.

وفي ظل هذه التوظيفية "يتحول إلى مفهوم السرد من مجرّد عرض لأحداث أو حالات (وضعيات) إلى نظام من التواصل"( ) هذا النظام بإمكانه أن يكشف عن طبيعة التواصلية الجديدة التي تنشئ الصيرورة الخطابية السرمدية عبر الزمن الدعوي، مذ هذه القصة إلى قصة الخلاص الأبدي وقيام الساعة.

إن الألفاظ المكوِّنة للفقرة السابقة، تجسد صعوبة الفعل الخطابي الذي تكشَّف للنبي صلى الله عليه وسلم، بحيث لم يعد قادراً على التواصلية وذلك بفعل تأثير ادعاءات الوليد عليه، الأمر الذي جعله منهوك القوة ذا عزيمة فاترة.

إن المجسِّد لهذا، هو توظيف أدوات القسم الثلاث المستخدمة في نمطية السردية القصصية والتي هي: ن، والقلم، مايسطرون. ثم تعداد جواب القسم: ما أنت، وإن لك، وإنك لعلى. حيث هذا التضخيم في القسم وجوابه يوحي بصعوبة المرحلة التي كان يعيشها الرسول والتي كانت نفسيته مسرحاً لها وما يدعم ذلك مخاطبته بـ"ربك" في الموطنين المذكورين..

نجد هذه الإضافة ذات دلالة مضمونية تشي من أن محمد صلى الله عليه وسلم كان وحيداً في المعركة، الشيء الذي يستدعي توفير العناية له، فهي تنطوي على قدر كبير من الرعاية والحنان..

إذا تأملنا كل هذا، وتأملنا هذه الإضافة، وجدناها تحدد طبيعة السرد الباني لشخصية الرسول. فكأن الخطاب فيها موجه لمحمد وحده، وكأن السارد ـ بهذه الإضافة ـ ربُّ محمد فقط…
ولو تأملنا مجدداً موقف محمد من قريش ـ وهو وحيد، وهم عدد لا يحصى والمهابة التي كانوا عليها، والحمية التي تجمعهم ـ لأدركنا ما لهذه الإضافة من تأثير إيجابي على شخصيته صلى الله عليه وسلم.

إن هذه التقنية المفرداتية (ربك) من شأنها أن تَبني الشخصية من جديد. فبعد أن كان مهزوزاً هابط العزيمة منخور القوى أصبح بهذه الإضافة ـ (السرد الباني) ذا عزيمة قوية تغيرت على ضوئها كل مشاعره فَبُنِيَ بناء معاداً.

إن هذه الإضافة التي اغتدى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم شخصية أخرى مرجعنا فيها إلى الألفاظ الموحية لأنها، "تشبه الأشخاص تماماً، والحق أن التشخيص عملية نفسية صرف، فنحن الذين نتمثل في اللفظ المهابة أو الدماثة"( ).

وعسى أن تكون الغاية من اعتبار الرسول شخصية تتمتع بخاصية الحضور في حركة السردية القرآنية، هي ما تشي به هذه الفقرة في كونها وظيفة الشخصية من نمط النبوة. وهذا لم يأتِ عرضاً وإنما كان بوعي وقصدية إفهامية، الغرض منها، إعطاء مرجعية دينية للقصة وإضفاء الصّفة النبوية على النسيج السردي.

ب ـ شخصية الوليد: ما يلفت الانتباه، هو أن هذه الشخصية يعرضها السرد متوحشة مفعمة بروح التسلط والتجبر.

تظهر في الفقرة الآتية:  وَلاَ تُطِعْ كُلَ حَلاَّفٍ مَهِين هَمَّازٍ مَشَّاءٍ مَناعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثيم عُتُلٍّ بَعدَ ذلكَ زَنيمٍ. من خلال هذه الصفات يتبين أنها كانت شخصية متحرشة بالرسول، متسلطة عليه، الأمر الذي أدى بالرّب إلى تعريتها من كل الجوانب.

غير أن الاعتماد على ذكر صفات الشخصية دون الإشارة إلى اسمها، يجعلنا نعلن أن النص القرآني قد يتجاوز في بعض طروحه مبدأ تقديس الشخصية ويعوِّض هيكلها بصفاتها وأفعالها سلباً وإيجاباً.

هذا السلوك الفني، يمثل أحد تمظهرات الرواية الجديدة الآن. حيث "ذهب بعض كتاب الرواية الجديدة في تعاملهم مع الشخصية مذاهب جديدة وأحياناً غريبة حيث أشاروا، إلى شخصياتهم الروائية بحروف فقط كما فعل ألان روب غرييه في روايته (الغيرة) حين سمى شخصيته الرئيسية باسم "P" "A" واستعمل كلود سيمون التقنية نفسها في روايته "معركة فارسال" حيث أطلق حرف "O" كاسم لشخصيتين مختلفتين"( ). على حين نجد النص القرآني بعيداً عن هذه الترقيمية التي ربما لا تفضي لأي شيء، معوضاً إياها ببديل من شأنه تقوية عمل الشخصية في مجالي الإيجابية والسلبية.

لقد لاحظنا كيف أن الرّب وقف إلى جانب نبيّه، لما كانت عزيمته مثبَّطة وذلك باستخدام ضمير المخاطب "ربك".

غير أن الموقف هنا ـ تغير، حيث الوليد بجاهه وماله وسلطانه وشراسة لسانه يتسلّط على النبي ويؤثر عليه.

ولما كان الموقف متغيراً استلزم أن يتغير معه "ضمير المخاطب" ليصبح نوناً، وأيّ نون! إنها نون العظمة!

يظهر هذا في موطنين.  إذا تتلى عليه آياتنا و«سَنَسِمه على الخُرطُوم».

غير أن هذا التغير في توظيف الضمير، مرجعه إلى التغير في المضمون.

ولو تأملنا ضمير "نا" المستخدم في الموطنين السابقين لاكتشفنا تأثير الوليد الشديد على الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الذي جعل السَّارد يحيل نفسه شخصية في مكان الرسول، تواجه الوليد بتجاوز لقواه وجبروته.

ولعل هذا التحول في طبيعة المسار العمودي، يعود إلى التلون في توظيف الشخصية، بحيث تكون فيه مؤدية لدورها بصورة عادية [مثلاً: شخصية الرسول هنا]، وفجأة يلغيها السارد، ويحل محلها دون شعور منها، وهي تقنية فريدة كما ترى.

ج) ـ منزلة الشخصيات:

إن الشخصيات الموظفة في قصة الوليد، خبرية، وصفية، سردية، تقريرية، قريبة من الحواس، لم تتشكل على لسان راوٍ أو مبدع، بل تشكلت وتبلورت من خلال ما تمارس من سلوك وحركة ومواقف، كشفت عنها بنفسها مرة وكشف عنها السارد أخرى.

وعسى أن يكون الأمر الملاحظ في طبيعة الشخصيات ـ هنا ـ هوالتوازن الملحوظ بين الشخصيتين المسخرتين في هذه القصة، من حيث جانب الحَيّز المخصص لهما، وأيضاً ألفينا ظاهرة سردية، وجديرة بالمتابعة، تمثلت في، أن السردية ـ وهي تصف في إحدى الشخصيتين وصفاً ظاهرياً ـ، ينضوي تحتها ـ وبطريقة صامتة ـ حديث عن الشخصية الثانية.

بمعنى أن هناك ثنائية ضدية في مجال توظيف الشخصية. كما سنوضح ذلك فوراً..
فشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من منزلة الأنبياء، حيث عالم الملكوت، كون الاستجابات والانفعالات والتواصل والعطاء والاستمرار وفيض العواطف. ينضاف إلى ذلك المدد القبلي( ). وهي من وسط اجتماعي قنوع، اكتفى بما أعطاه الخالق، ورضي بذلك. استمدت شرعيتها من الملأ الأعلى، ثم وجدت الكون الأرضي مجالاً لبسطها.

وفي هذا السياق يقرر القرآن: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يؤْمِنونَ حَتى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهم، ثُمَّ لاَ يَجدُوا فِي أَنْفِسُهم حَرَجَاً مِما قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْلِيماً.( )

أمَّا الوليد من منزلة الأعيان، حيث الجاه، والسيادة والثراء، والحضور القبلي، والحمية الجاهلية. ونجد مكانتها واردة إلى الذهن من خلال كل الآيات أو السور التي كانت تعالج الوليد بن المغيرة، فهي متكبرة متعجرفة، فضلاً عن غناها وترفها..

استمدت منزلتها بما رزقت من ثراء خوّل لها تلك المنزلة القبلية.

رابعاً ـ المكوِّن الحدثي:

تتشكل قصة الوليدمن برنامجين سرديين متضادين، يكوّنان أحداث القصة، ويصنعان خطابها وينظمان صيرورتها، وهما برنامج البطل [الرسول] وبرنامج البطل المضاد [الوليد].
غير أن هذا التضاد ألفيناه يتمظهر في مستويين (الشكل والمضمون).

ففي المضمون يُمارس تَحولٌ على مستوى المسار المحتواتي بالنسبة للشخصيتين المكونتين للبرنامج السردي (parcours naratif) الذي هو "مجموعة من الوحدات السردية المتعلقة بالتركيب التوظيفي الذي يمكن تطبيقه على كل أنواع الخطابات"( ) حسب تعريف قريماس. فالرسول يعرضه السرد بطريقة تصعيدية، بحيث ألفيناه يائساً باخعاً منذ حركة القصة الأولى، لتنتهي القصة وهو منتصر، يزهو ويرفل في أثواب المدد الرسالاتي.

أما الوليد، فإنه يُعْرض ضمنياً من موقف قوة، لينتهي في أحضان هزيمة نكراء، فيندحر وتتلاشى نخوته.

أما من جهة الشكل، ألفينا الرسول يشغل حيزاً يكفل له التحرك عبر نصف القصة، الأول ويشغل البطل المضاد النصف الثاني من القصة، والبنية الواضعة له، يظهر فيها الوصف داخلياً وخارجياً، لتنتهي عند سين التسويف التي تقرّب هزيمته.

وفي خضم هذه الحركة السردية المضادة، يحاول كل من البطلين إلغاء الآخر، والقضاء عليه لتأكيد حضوره وبسط عقيدته.

غير أن البطل [الرسول] يختفي عبر التحولات السردية ليحلّ محلّه السارد عينه في مواجهة مع البطل المضاد [الوليد] لتكون هزيمته محققة.

ولعله من الأفيد أن نستخدم القانون الصوري الذي صاغه قريماس على الشكل الآتي:

PN = SUO SAO

والذي يعني "انتقال الفاعل من حالة انفصاله عن الشيء إلى امتلاكه للشيء"( ).

حيث وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وعبر التغدية السردية ـ في طريقه إلى استعادة مكانته التي حسَّ أنها افتقدت وتلاشت بفعل ممارساتالوليد وأتباعه.

وهكذا يتشكل البرنامج السردي الأول. حيث يكون البطل [الرسول] في حالة انفصال عن الشيء القيمة (حبل الوحي) (SUO): مَا أَنْتَ بِنْعمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ..

هناك نعوت إثباتية خلف هذه الصفات المنفية، وهنا يبدو واضحاً عدم امتلاك البطل للشيء.
وباستخدام أدوات القسم الثلاث، وتعداد جواب القسم والإكثار من التأكيدات و(إن ـ وإنك) واللام المزحلقة (لعلى) (لأجراً)، يصل البطل إلى وضعية امتلاك الشيء (SNO).

أما البرنامج السردي الثاني، فهو الذي أنجزه البطل المضاد [الوليد] ويمكن صياغة قانونه الأساسي حسب غريماس بالمعادلة التالية:

(PN = SUO-SAO). أي البطل يمتلك الشيء ثم يفقد البطل الشيء.

ولعل هذا يكون واضحاً، حينما يظهر الوليد [البطل المضاد] في نصف القصة الثاني: ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيَرِ مُعْتَدٍ أَثِيْمٍ عُتُلِّ بَعْدَ ذلكِ زَنِيمٍ. أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، هذه الصفات إن تركناها على ظاهرها، تعكس قوة الوليد، جبروته وثراءه وجاهه ونزعته القبلية..

إذ نلاحظ أنه تسلَّط على الرسول صلى الله عليه وسلم منذ بداية القصة، يفسِّر هذا، تضخيم أدوات القسم وتعداد جوابه، ثم النهي عن طاعته والانقياد والتأثر لمزاعمه. ونحن نتحسس من خلال الآيات الأولى، أن الوليد كان مزهواً في قومه فرحاً مستبشراً لما آل إليه محمد من إحباطات وانتكاسات والشعور بالخيبة. وبهذه التقدمة، نتصوَر أن الوليد في الطرف القوي (يتملك الشيء = SNO).

وفي نهاية القصة:  سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ تتحقق هزيمته، ويكوى على أنفه، وتعود الغلبة للرسول صلى الله عليه وسلم وبهذه الصورة يتحقق الجزء الثاني من المعادلة (SUO). فيفقد البطل المضاد ما يملكه.

أما من حيث خصيصة البناء، فإننا ألفينا الأحداث تُمارِسُ البناء والهدم في لحظة واحدة، وذلك عن طريق السارد (الله).

1 ـ الرسول صلى الله عليه وسلم :

يتحرك في فضاء نصاني يشغل نصف القصة الأول وهو قوله: (مَا أَنْتَ بِنْعمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، ….فَيُدْهِنُونَ)..

ولتسهيل عملية البناء نرمز إلى هذه الآيات برمز (ب) والتي صُوِّر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم تصويراً خفياً، يعاين الراهن، ويكشف عن معنوياته الهابطة وعزيمته الفاترة من جراء النعوت التي نعته بها المشركون وعلى رأسهم الوليد.

2ـ الوليد:

شخصية الوليد يبدأ الحديث عنها من حيث انتهى الحديث عن الشخصية الأولى، أي من قوله: ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَفٍ،……. سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ. هذه الآيات نرمز إليها بـ(ج)، والتي تجسد صورة الوليد من الداخل ومن الخارج..

3 ـ السرد الباني:

نعني به النص القرآني، والذي هو ـ في جوهره ـ الخالق نفسه. نرمز إليه بـ(أ). إذن. البناء والهدم كلاهما يكون من قبل (أ) نحو (ب)، و(ج).. ولكن كيف..؟

إن علاقة (أ) بـ(ب) تظهر في الصفات السبع التي يوحي ظاهرها من أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعاني أزمة دعوية صارخة انتهت به إلى الإحباط والفشل، دليل ذلك تضخيم أدوات القسم وتعديد الجواب، وذلك من شأنه رفع المعنويات، الأمر الذي جعل السرد عاملاً على الهدم. وفي الصفات السبع نفسها، نتحسس سرداً خفياً يسعى لرفع معنويات الرسول صلى الله عليه وسلم. وبهذه الصفة يكون الهدم بناء.

أما علاقة (أ) بـ(ج)، تظهر حينما أحالنا على صفات (ج) العشر المذكورة سابقاً.
ولعل ظاهر هذه الصفات يشي من أنها هدم، لأنها مساس بشخصية (ج)، جسمياً وسلوكياً وعرضياً.

غير أننا إذا تأملنا بعضاً منها، ألفيناه ممايميز العربي الجاهلي، كالعنجهيةوالغطرسة وغيرهما، الشيء الذي جعل منها صورة مديحية. وفي الصفة العاشرة يظهر انتقام (أ) من (ج) المباشر، الشيء الذي يجعل البناء هدماً.

إذن (أ) يستخدم الهدم للحصول على البناء في شخصية آيات (ب).

(أ) يستخدم البناء للحصول على الهدم في شخصية آيات (ج).

وبهذه التقنية القرآنية يظهر البناء والهدم متميزين، بحيث يحال كل منها إلى صفتي الهدم والبناء أو العكس.

إن سرَّ هذا التمايز يعود في الأصل إلى إقحامنا للبنيوية التي "تعامل النص كعالم ذري مغلق على نفسه، وموجود بذاته. فتدخل تبعاً لهذا المفهوم في مغامرة الكشف عن لعبة الدلالات".( )
التي تشيعها الألفاظ المسخرة لإنارة جوانب الشخصية.

ولعل الأروع، هو الاتساق والانسجام بين (ب،ج)، وظاهرة الإيقاع المرافق لهما، بحيث نجد الإيقاع في تطابق تام مع مضمون (ب، ج).

إن إيقاع (ون) يتواتر 7 مرات وإيقاعات (ين، يم، وم)، تتواتر 10 مرات. وبرؤية كشفية مبنية على قراءة واعية نعتمد فيها على المقارنة، نكتشف الانسجام العجيب والمذهل بين الإيقاع المرافق لآيات (ب)، (ج)، والمضمون الذي يجسدانه والغريب، حتى بالأرقام.

فإذن 7 (إيقاع نون) و7(صفات الرسول) تساوي 14.

الكل يساوي 34 صفة.

و10 (إيقاعات ين، يم، وم)، و10(صفات الوليد)، تساوي 20.

من خلال ـ هذا كله ـ نجد النص يتحرك في فضاء أربع وثلاثين صفة تلامس الإيقاع والمضمون بشكل متساوٍ لا يؤثر فيه أحدهما على الآخر، بل يدخلان في وحدة نصية تحافظ على مبدأ الإيقاعية الذي تنهض عليه نصوص القرآن من جهة، وتجدّد المضمونية من جهة أخرى.
وعلى صعيد آخر نجد النص يتحرّك في فضاء من التصورات الأساسية التي يعمد السرد القصصي لاستلهامها في بناء شخصيتي (ب)، (ج).

ولعل الشكل الآتي من شأنه توضيح علاقة (أ)، بـ(ب) و(ج)، وإن كنا نخشى أن نثقل النص بهذه الرسومات والجداول والأرقام، لأن "المبالغة في تفتيت الإبداع الأدبي مجهرياً وإعادة قولبته داخل أشكال هندسية وجداول إحصائية قد أضفى على الدراسة التطبيقية طابعاً علمياً جافاً، وأحال الإبداع إلى المعاش".( )

إن (أ) في بنائه لشخصيتي (ب) و (جـ) استعمل تلك الثنائية الضدية التي يكون الهدم فيها بناء والعكس.

غير أن هذا مرتبط بالغرض الأسمى الذي يستشرفه النص القرآني من وراء هذا البناء الذي هو فني تارة، يمليه أسلوب القرآن. ومنطقي تفرضهخصومة الوليد للرسول، الأمر الذي يجعل الوقوف إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم أمراً طبيعياً ومرعياً تفرضه الدعوة التي جاء من أجلها. فإذن الغرض الأسمى من خصيصة البناء والهدم هذه، عقائدية بالدرجة الأولى.

إن الهدم العنيف والشنيع لشخصية الوليد ما هو –في جوهره- إلا تحطيم وهدم لعقيدة جاهلية زهت حيناً من الدهر. والبناء المحكم لشخصية الرسول ما هو إلا ترسيخ وبناء لعقيدة جديدة تزهو الدهر كله.

فالهدم كانت نتيجته البناء، وبهذه الصورة. قامت العقيدة الإسلامية، وقيامها إنما كان يتنامى تدريجياً، وهو على هذا النحو، كان يوجه معاول الهدم نحو العقيدة الجاهلية، عقيدة الوليد بن المغيرة المخزومي.

وهكذا فإن عمق التقابلات الثنائية أو العلاقات التقابلية يتلخَّص في كون البنية الجمالية لقصة الوليد، تتمثل في جدلية الموت (ثناطوس) و الحياة (إيروس)، فالموت لعقيدة الوليد المنبثقة عن إرث الجاهلية. والحياة لعقيدة محمد الناشئة عن الخطاب الإلهي.

ومن شأن هذه العلاقة الثنائية السعي إلى اكتشاف المعنى الباطني للغة في دلالتها الإيحائية [مفرداتها البانية والمهدمة للعقيدتين] من حيث إن النص مؤسس من علاقات غيابية وأخرى حضورية "فالعلاقات الغيابية علاقات معنى وترميز.. أما العلاقات الحضورية فهي علاقات تشكيل وبناء"(( )).

وما يمكن ملاحظته من خلال هذا الشكل، هو أن أقوى العلاقات الناشئة عن تعداد هذه الصفات في قصة الوليد هذه، إنما تقع بين الله (أ) والرسول (ب) بالرغم من أن الصفات كانت سبعاً. وعلة ذلك مرجعها إلى العلاقة الحميمة والرسالاتية التي تربط الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. لأنها تنطوي على رعاية كبيرة من العطف والحنان المبثوثتين خلال الصفات السبع.

وانطلاقاً من اعتبار الشخصية مرجعاً يضيء جوانب النص الأخرى وهذا تماشياً مع نظرة ليفي شتراوس الذي "يعتبرها كتلة من العناصر المرجعية تحيلنا على خلفيات النص المتعددة"(( )).

فإننا توصلنا إلى كيفية بناء الشخصية من خلال تلك الصفات التي عنها استكشفنا خلفية النص.

وبهذا الأسلوب أيضاً نكون قد استلهمنا ما ذهب إليه تودروف الذي ينظر إلى الشخصيات على أنها "شكل أجوف تملؤه المساندة (predicats) المختلفة كالأفعال والنعوت"(( )).

وعسى أن تكون هذه النظرية قد أفادتنا من حيث إنها جعلتنا نعاين راهن الشخصية عن قرب ونضعها في إطارها المضموني، كأن ننعتها بالتجبر والتسلط، أو التواضع والتعقل.

وما يمكن ملاحظته أيضاً، هو الاختزال المطّرد في بنية السرد القصصي كبنية لغوية، فيها الجمل قصيرة ومركزة، تفيض بالدلالة، ومع اختزال عبارات قصة الوليد هذه، تتعمق الدلالة القصصية.

ولعلنا في استخدامنا للجداول والأرقام لم نكن ننشد إلا تجلية ما كان خفياً وراء هذه الدلالات القصصية.

غير أن "حضورها في النص يتداخل مع الإشارات اللغوية الصوتية، ويجعل الكتابة تمتلك قيماً غير قابلة للانتقال إلى الشفوي"(( ))، الأمر الذي جعل النص القصصي القرآني مخزوناً دلالياً، كل عبارة فيه تفترض أن تحمل دلالات معينة، وكل إيقاع فيه يعكس دلالة النص التي سيق فيها هذا الإيقاع، وكل سرد يتخذ مستوى متميزاً يجسد الصورة التي عليها القصة القرآنية.

وكل شخصية فيه نتوقع لها بناءً خاصاً بها يفرضه المضمون الذي يرافقها. وكل هذا التلون يمثل في نهاية الأمر إنتاجاً دلالياً عبقرياً.


يـــــــُتبع إن شـــــــــــــــاء الله.
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#35  مشاركةبواسطة KHOLIO » الاثنين إبريل 06, 2009 5:07 pm

خامساً: المكوِّن الزمني:

الزمن أحد العناصر الإجرائية المشكلة للحمة الخطابية في القصة القرآنية، شأنه شأن الحدث واللغة والشخصية والحيز وغيرها من مكوّنات الخطاب السردي، ما ظهر منها وما بطن.

غير أن الزمن –بحكم الموقع المتميز الذي يحتله- في منظومة السردية الجديدة، فإنه يظل ينظر إليه بوصفه الشظية الأولى لتشكيل الغورية النصية.

أما كيف يفهم المتلقي التفعيل الزمني –بالصورة التي خولتها له الكتابة السردية الجديدة- فإن هذا يظل سؤالاً قائماً، إجابته مشروطة بكل تغيير يلحقه مما يقتضي وعياً مغايراً ورؤيا مناسبة للتغيير الذي يلحق الزمن.

إن مثل هذا الوعي يمثل مطمحاً جديداً يسعى إلى الخروج بالزمن من معهوديته العتيقة إلى رحابة دلالية تحيله إلى كون زمني يزخر بالدلالات.

يعتبر الزمن ظاهرة أدبية وفلسفية تتجلى بصورة خاصة في نتاجات أدباء هذا العصر (إبداعاً وتنظيراً) لأن إشكاليته تنبع من داخله، فهو لم يعد ذلك الزمن المحصور في المجالات النحوية المعروفة، بل اغتدى زمناً مطلقاً مفتوحاً مثل الوجود.

إننا لا نستطيع وضع تعريف مقنن من شأنه ضبط ماهية الزمن، ولعل الأمر في غاية اليسر إذا علمنا أن الزمن يخضع للتجريد.

إن هذا المعطى الوجودي الكوني متحسَّس ومستقر –بحضوره الحسي- في الذهنية الإنسانية. على عكس حضوره التجريدي الذي لا يرقى إلى التماثل والظهور إلا في تصورات الفلاسفة ومن ينحى منحاهم، بعيداً عن ذهنية العامة وإسفاف الدهماء.

إن الزمن في استقطاب مستمر لكل مظاهر التفاعلات التي تنشأ عن العلوم الإنسانية. فهو زمن نحوي مرة، وفلسفي أخرى ورياضي ثالثة، وفني رابعة. وهكذا لا يستقر على حال.

ولعل هذا يكون سبباً كافياً في تعقيديته وتشاكله.

غير أن الزمن الفني –بطروحه المعقدة- هو الظاهرة والمفارقة، لما فيه من ضبابية وغموض. وفي هذا السياق يقول أَنْدري بريتون "إن أرثور كرافان Arthur Cravan. قد طرح سؤالاً محيراً على الأديب الفرنسي أَنْدري جيد A. Gide: السيد جيد: أين نحن الآن بالنسبة للزمن؟ السادسة إلا ربع (أجابه بدون خبث)، ويضيف بريتون آه. يجب أن نعترف أننا سيئون جداً مع الزمن"(( )).

فهو ضمنياً يشير إلى ضرورة إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بالزمن والتي استقر عليها عرف النحاة، ودرجت عليها ضمائر المشتغلين في حقلي النقد والفلسفة. فالزمن شيء آخر غير ما نعرف ونعهد.

ولعل الذي يجسد الصعوبة الزمنية، هو حتى هذا الزمن الذي يسمى تقليدياً، نجده يتسم بالغموضية والتعتيم. من ذلك مثلاً اليوم. فهو –في عرفنا- محكوم بالساعات. والساعة الواحدة فيه مختلفة تبعاً لاختلاف الأحوال والظروف.

فالساعة –صيفاً- زمن طويل. وهي ذاتها –شتاء- زمن قصير.

غير أن المدهش هو أن الساعة الواحدة في تشاكلها –صيفاً وشتاء- عند تحسسنا لها تغتدي زمناً ذا شقين مختلفين. بحيث ألفيناها تطول عند شخص، وتقصر عند آخر.

ولعل مظاهر الطول تتبدى في ليالي المتيمين المحصورين في دائرية الوجد وفرط الصبابة.
وفي هذا السياق يقول المتنبي:

"ليالي بعد الظاعنين شُكُولُ ** طوالٌ وليل العاشقين طويلُ"(( ))

إن الزمنية –بمفهومها الفني والتقليدي- شكلت صعوبة ملحوظة في التوظيف الأدبي، وليس أمر غموضها مقصوراً على فئة الفلاسفة والمتصوفة بل، حتى تساؤلات الشعراء حولها كانت واردة. فالمتنبي يتحسّس مرارة الزمن وتقلباته فيقول:

"صحب الناس قبلنا ذا الزمانا * * فعناهم من شأنه ما عنانا

وتولوا بغصة كلهم منه وإن سر بعضهم أحايناً"(( ))

ونلفيه مرة ثانية يشرئب –في نظرته للزمن- إلى مقام الفلاسفة، حين تختلط عليه حركية الزمن فيقول:

"نحن أدرى وقد سألنا بنجْدٍ ** أقصيرٌ طريقنا أم يطول؟"(( ))

ولعله – وبهذه الذهنية المتميزة- يطمح إلى تفكيك الزمن بمركباته المدركة والمغيبة، بغية الوصول إلى حقيقته.

لقد تلمسنا هذه الإلحاحية الفطرية من خلال أمنية المتنبي في أن يحصل له شيء يسير مما يفترض أن ينشأ عن الزمن.

"أريد من زمني ذا أن يبلغني ** ما ليس يبلغه من نفسه الزمن"(( ))

غير أن (الزمن) يبقى في غموضه، شأنه شأن سائر القضايا التجريدية التي لم يقو على تفكيكها الدين والفن والفلسفة. وفي هذا الإطار يقول باسكال "إن الزمن من هذه الأشياء التي يستحيل تعريفها، فإن لم يكن ذلك مستحيلاًنظرياً، فإنه غير مجد عملياً"(( )).

إن هذا الشعور بغموض القصدية الزمنية، جعل الفلاسفة يعقدون له فصولاً ومقالات، ويخصونه بعناية فائقة.

والسؤال الذي يطرح من وجهة نظر فلسفية هو:

هل للزمن وجود موضوعي خارج وعينا أم لا وجود له إلاّ في الوعي؟

إن الفلاسفة –أقطاب المثالية والمادية من أمثال، روزنطال، كانط، هيجل، أنجلز وغيرهم لم يتمكنوا من تحديد ماهية الزمن ومعرفة دواخله بصورة دقيقة، الأمر الذي جعله يختلف انطلاقاً من وجهة نظر الفريقين.

فالزمن –من منظورهم- مختلف تبعاً لتصورات الماديين والمثاليين، حيث "يعترف الفلاسفة الماديون بالوجود الموضوعي للزمن، بينما يرى الفلاسفة المثاليون أن لا وجود للزمن إلا في الوعي"(( )).

غير أن هذا الاختلاف مرده إلى النظرة الأحادية التي تتميّز بها فلسفة الاتجاهين.

وفي هذا السياق ألفينا أنجلز، يعتبر الزمن مجرد أشياء تستقر في الذهن، ووجودها مرتبط بوجود المادة بحيث يقول "إن شكلي وجود المادة (المكان والزمان) لا وجود لهما بدون المادة، إنهما مجرد مفهومين فارغين أو تجريدات لا وجود لها إلا في أذهاننا"(( )).

فالزمن عنده مرتبط بالحركة التي نشأت نتيجة العلاقة الجدلية التي تربطهما، بمعنى أن الحركة –من منظور الماديين- هي المولّدة والمفعّلة للزمن.

ونجده يدعم رأيه بحركة الأرض إذ يقول "يوم فيوم، مدة زمنية ما كان لها أن تحدث لولا دوران الأرض حول نفسها، بدون هذا الدوران (الحركة) يستحيل وجود اليوم، واليوم يعبّر عن شكل من أشكال الأرض (المادة)"(( )).

وسواء عليهم أربطوه بالمادة أم لم يربطوه، فالزمن مخلوق أوجده الخالق، متحسس، يسري في الفرد وفي الكون. وسريانه إنما ينجلي لكل نفس مؤمنة تؤمن أن الزمنية تنقسم إلى ضربين.
ضرب أنت تعرفه وتتحسسه، وهو الممارس في الحياة اليومية به تتحد مصائر الناس في حوائجهم وأيامهم ومقاصدهم وغيرها. يسمى عادة هذا الضرب من الزمنية بالزمن النحوي. وضرب أنت تجهله، وهو موجود ولا يقع على عاتق النحو، بل يفهم من خلال العرض، كآية الكرسي مثلاً اللهُ لا إِلهَ إلا هُوَ الحَيُّ القَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولاَ نَوْمٌ(( )) هذا المقطع يخضع للزمن. إلا أنه زمن مطلق مفتوح انسيابي لا تحده حدود ولا تُتّصد له أبواب.

غير أن نظرة الماديين والمثاليين للزمن تبقى محصورة في إطارها الفلسفي الأيديولوجي القائم على تثمينية الزمن، الأمر الذي يجعلها لا ترقى إلى ملامسة الرؤية النقدية التي تنهض على تجاوز الحدود المعطياتية لماهية الزمن.

إن النظرة الوجودية للزمن مستمدة من الزمن نفسه. ذلك بأن ذكر الزمن في أي مجال وبخاصة في مجال السردية الأدبية لا يتحدد إلا وفق المضمون الذي سيق فيه، فهو يعبر عن نفسه انطلاقاً من توظيفيته في مجال الكتابة أو في الخطاب الشفهي.

وفي هذا التوجه يقول بنفنيست "يمكن أن نعتقد بأن الزمنية هي إطار فطري في الفكر، فهي تتولد في الحقيقة خلال عملية التلفظ وبالتلفيظ يتأسس الحاضر، ومن الحاضر يتولّد الزمن"(( )). إن القراءة السيميائية لخطاب النص القرآني- وبخاصة ما يتصل بمكونه الزمني- تحيلنا على زمن يتمظهر بتمظهرات فلسفية وفنية، ودينية ونحوية وغيبية.

ولعل النص القرآني يكون قد أثار موضوع الزمنية منذ لحظة التواصلية الأولى المجسدة في آية (إقرأ) التي هي زمن مطلق مفتوح على التوالد، مما أكسب المتن القرآني شرعية التأصيل والتأسيس.

ففي وصفه للخالق مثلاً "بأنه (الأول والآخر) فإن الأولية المقصودة ليست أولية زمانية فالله ليس عنده (قبل وبعد) فالزمن كله مخلوق مع الكون والله كائن قبل مخلوقاته وباق بعد فنائها، فهو موجود قبل الزمان وبعده"(( )).

وعسانا –في هذه النظرة القرآنية- أن نتحسس رؤية جديدة لم نعهدها منقبل، فهي ليست زمنية نحوية جامدة بقدر ما هي زمنية أعمق مما نتصور، لأن الله يتحكم في الزمن بطريقة المدّ والجزر يقبضه ويبسطه، وهو الشيء الذي حدث لعزير في قوله تعالى فَأَمَاتَهُ الله مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعثَهُ، قَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يوْمَاً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مائِةَ عَامٍ. فَانْظُرْ إِلى طعامِكَ وشَرَابِكَ لَمْ يَتسنَّهْ، وَانْظُرْ إِلى حَمِارِكَ(( )).

فشرابه لم يتغير وطعامه لم يتعفن، لكن حماره (رآه ميتاً وعظامه بيض تلوح)(( )).
فهو في لحظة واحدة، بسط الزمن في موضع وقبضه في آخر. ومن هنا تأتي صعوبة استكناه زمنية القرآن.

ولذلك كان الأحرى أن ننسب غموضية الزمن إلى الرحابة التي سخرها له النص القرآني، لا إلى الشعر الحرّ أو الرواية الجديدة.

إن الزمن –في التوظيف القرآني- ظاهرة قائمة بذاتها، تجاوزت إفهامية الأدباء واستقرائية الفلاسفة، فهو في تعامله مع الأفعال –بمستوياتها الثلاثة- لا يخضعها لزمنيتها النحوية بل يتجاوزها إلى مستوى دلالي أوسع، يتمثل في إعادة خلق وتشكيل القصدية الزمنية. فمثلاً دلالة الماضي تأخذ منعطفاً انعكاسياً يحيلها في نهاية الأمر إلى مستقبل.

ولعل في الآيات المتعلقة بوصف يوم القيامة كثيراً مما نبتغي.

من ذلك قوله وَنُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُم جَميْعاً وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً وَبُرزَتِ الجحِيم للْغَاوِيَن أَتى أمرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ وجَاءَ رَبُّكَ وَالملْكُ صَفّاً صفّاً.

وبصورة عكسية نجد المستقبل يحال إلى ماضي كما في قوله وَزُلزِلُوا حَتّى يقول الرَّسُولُ والذِينَ آَمنُوا مَعَه مَتى نَصْرُ اللهِ.

إن إشكالية تداخل الأزمنة ترتبط بالنص من حيث صدق دلالته، بغض النظر عن العرضية الزمنية فيه.

ولعل هذه النظرة –التي أصلها النص القرآني- تبقى- بطروحاتها هذه- تقدم نفسها بوصفها مشروعاً لقراءة أو لمقاربة نقدية، تكون إرهاصاتها الأولى منطلقة من نظرية القرآن. غير أن الزمنية القرآنية تتجاوز حدود المستويات الثلاثة للأفعال إلىتخلخل في التقويم اليومي الذي ينشأ عنه اضطراب في المفهوماتية المتعلقة باليوم والشهر والسنة.

من ذلك مثلاً، صعود الملائكة وجبريل يوم القيامة إلى البارئ في يوم قياسه مخالف لعرف قياسنا لليوم. ففي قوله تعرُجُ الملائكةُ والرُّوحُ إلَيْهِ فِي يوم كَانَ مِقْدارُهُ ألفَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ*. خروج عن انحصارية اليوم الدنيوي في أربع وعشرين ساعة.

ثم إن هذا اليوم نفسه يتحول –بمقتضى تحول في المضمون- إلى قيمة تثمينية جديدة  يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ ثُم يعرُجُ إليهِ في يومٍ كانَ مِقدَارُهُ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.

لأن يومية الخالق تضبطها زمنية أخرى غير ما عهدناوَإِنَّ يوماً عِندَ رَبُّكَ كألفِ سَنَةٍ مَمّا تَعُدُّونَ. إِنَّهمُ يَرَوْنُهُ بعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً.

غير أن إحصائية الزمن في تقويمنا الدنياوي لا نجد لها تشابهاً في التقويم الأخروي. من ذلك فالمجرمون حين يبعثون يحتارون في المدة الزمنية التي عاشوها في الدنيا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعةُ يُقْسِمُ المُجرِمُونَ مالبثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ**.

والحقيقة، إنّ هذا الشعور بصعوبة الزمن وبالقدرة على معرفة خباياه ليس مرتبطاً بعالم الآخرة فقط، بل حتى عالم الدنيا الذي نحيا، نجد الزمن يختلف فيه من مكان إلى مكان، لأن "القانون العلمي يقول لنا الآن: إن كل نظام حركي له تقويم زمني خاص به، فالشمس وكواكبها نظام حركي له زمنيته الخاصة به، فإذا خرج رائد الفضاء من أقطار هذا النظام الحركي وذهب إلى مجموعة نجمية في مجرة أخرى، فإنه يدخل في تقويم زمني مختلف"(( )).

فإذن مفهوم الزمن يبقى غائماً عائماً، مهما بلغ تنظيرنا له، فإننا لن نصل إلى تحديد ماهيته ومعرفة خباياه إلا ما قننه النحويون.

ولعل هذا التوجه في غموض الزمن راجع –كما قلنا- إلى منظومة القرآن النصية، بحيث "أصبح للقرآن زمن نستطيع أن نسميه زمن القرآن زمن الوحي"(( )).

لكن هذا، أدى –فيما بعد- إلى رؤية جديدة لفهومية الزمن، بحيث هذا التنوع والتضاد في الزمن، من شأنه خلق وشائج فنية تكسب التص القرآني خصوبة تجاوزية إثرائية، وتعطيه أسبقية التأسيس، وتضفي عليه أبعاداً زمنية إفضائية، طالما كان يحلم بها الروائيون والقصاصون ليضمنوها إنتاجاتهم المتنوعة، لأن توظيف الزمن يظهر بوضوح في الأعمال السردية "ولاسيما فن الرواية الذي فيه وحده تتجلى روعة الزمان بتقنياته وفلسفته ومفاهيمه المختلفة، بحكم الحادثة الروائية تخضع لمبدأ زماني أصبح معروفاً في نوادي الغرب الأدبية وهو مايعرف بـ(الحكاية المسرودة) أو (الحادثة السردية)"

أما زمنية قصة الوليد، فنجدها تتخذ صوراً مختلفة تتقاطع فيها بعض أنواع الأزمنة المعروفة وغير المعروفة، الشيء الذي جعل زمنيتها مطلقة هولامية، وهو ما نفصله الآن:

1-الزمن النحوي:

ينبثق الزمن النحوي –في قصة الوليد- من النظرة الاستشرافية التي تعد إحدى غايات هذه القصة.
فبالرّغم من أن أحداث القصة وقعت قبل نزول الآيات –خاصة تلك التي تصف الوليد بالزنيم –إلا أنها صيغت بالفعل المضارع، لأن حظ الاستشراف أو المستقبلية لا يتحقق إلا بمفاعلة المضارع.
غير أن الدلالية الزمنية للفعل الماضي لم يعوّل عليها السارد كثيراً، الشيء الذي جعل ظهورها شحيحاً، لأن حظ الاستحضارات الذاكرية الناشئة عن الماضوية كان غائباً أو كاد، ورغم ذلك –وبمقتضى هذا الغياب- نجد النص متنازعاً من زمنيين نحويين طغى أحدهما على الآخر.

أ)الزمن الماضي:

ينحصر في ثلاثة مواطن من القصة

(ضل): من قوله إنَّ ربَّكَ هُو أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلهِ، لأن معاينة الضالين مسألة قضى الله فيها وانتهى أمر حكمها، لذلك جاءت بالصياغة الماضوية.

ويظهر في كلمة (ودوا) من قوله وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ، لأن المداهنة إجراء يحضّر بعيداً عن التحيين، ويباشر في راهن تبليغية الدعوة.

ويظهر أخيراً في قوله قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلينَ، لأن الوليد غالباً ما كان يعتمد في دحض عقيدة محمد صلى الله عليه وسلم على عقيدة أجداده، الأمر الذي جعل السردية –في هذا المجال- تأخذ وجهة ارتدادية حيث ينشط فعل الاسترجاع وتنساق أطوار الحدثية وفق سردية ماضوية، تحيل زمن الوليد العقائدي إلى زمن منبعث من ماضي أجداده الوثني.

فالملاحظ لزمنية (قال) في مقطع (قَالَ أَسَاطِيرُ الأوّلينَ) يدرك أن في هذا التوظيف تناصاً بين الحاضر والماضي، ذلك أن حاضر الوليد في ظل مواجهة دين محمد صلى الله عليه وسلم لدينه يعتبر ميتاً، ثم ينشطه –بالتمسك بوثنيته- ليصبح امتداداً لماضيه الخصيب، الممثل في عقيدة أجداده الوثنية، الحية في شعوره والقابعة في وجدانه.

إن زمنية السرد –في قصة الوليد- تُستقطب من وجهتين: إحداهما ارتدادية ماضوية، وذلك حين يتعلق الأمر بالوليد وقت استحضاراته لماضي عقيدة وثنية عمّرت حيناً من الدهر، وسيلقي محمد بها وراءه ظهرياً. وأخرى منطلقها الراهن ومجراها المستقبل بكليتيه الحاضر والمستشرف، بين الواقع المَعيش حسياً، أيام الدعوة الإسلامية، والواقع الآخر المستقبلي الذي استخدمت فيه الأفعال المضارعة بكثافة.

ب)الزمن الحاضر: (المضارع).

تواتر إحدى عشرة مرة، وهي بالترتيب:

-يسطرون –فستبصر- ويبصرون- أعلم- أعلم- فلا تطع- لوتدهن- فيدهنون- ولا تطع- تتلى- سنسمه.

لعل الملاحظة الأولى التي ينبغي ذكرها، هي أن زمنية المضارع، هي الغالبة، لأن بنية المضارع بنية متحركة ناضجة، فاعلة للأحداث ومفعّلة لها.

وكأن السارد –باعتماده زمنية المضارع النحوية- يشير إلى خلود رسالة محمد وتحطيم لأي مناوئ من شأنه النيل من هذه الرسالة.

فالنهوض على المضارعة دليل خلود الرسالة وبقائها حاضرة حضور المضارع واستمراره. فهو –إذن- زمن حي يسري مع الدهر، خالد، باق ومتجدد، يسبح في العوالم المواكبة لدعوة محمد الرسالاتية.

لكن القصة القرآنية قدمته في احتفائية قرآنية رائعة، لأن تكثيف فعلية المضارع ماهي إلا تنشيط لحركة ذهنية عاطفية، تستمر مع دعوة محمد وتعانقها.

فالقصة –بهذا- تحتفي بالمضمونية ولا تقصي جانب الجمالية فيها، لأن القصة القرآنية- في حركيتها- قصة شرود تسبح عبر الزمن حتى تؤدي غايتها المنوطة بها مستعملة الجمال الفني أداة للتأثير الوجداني.

"إذ إن هذا الجمال يجعل ورودها إلى النفس أيسر ووقوعها في الوجدان أعمق"(( )).
غير أن الملفت للانتباه، هو تلك الطريقة التي ألفيناها –في التوظيف القصصي هنا- تلغي شرعية زمنية وتبقى مكانها زمنية أخرى.

فالملاحظ للفعل المضارع (لوتدهن) يجده قد استخدم على نمط الخطاب المفتوح، لأن السارد في قوله  وَدُّوا لو تُدهِنُ فَيُدْهِنُونَ استعمل المضارع.

ولكن لو كان السارد بشراً لقال: لو داهنت. "فالتعبير بالجملة المستقبلية لم يقصد به الزمان، وإنما أريد به استحضار صورة القوم وما هم عليه بالنسبة له"(( )) كما يرى التبريزي.

وهو موقف يبدو مردوداً، لأن استخدام (لوتدهن) على وتيرة المضارع، ماهو إلا تجسيد لمبدأ المداهنة أو المساومة، التي تواجه كل داعية ينهض في قومه لاستئصال مبدأ وترسيخ لآخر يتبناه ويؤمن به.

ولعل الداعي هنا يكون مطلق الحضور. وهنا يتشاكل مع محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه داعياً من جهة، وكون رسالته ملزمة التبليغ من جهة أخرى. من هنا يكون كل داعية في مقام الرسول، ويكون فعل المداهنة مستمراً استمرار التبليغ الدعوي.

فإذن علة طروحة المضارع (تدهن) مبررة التوظيف، فهي لا تتماس مع الرسول بوصفه مبعوثاً من الخالق بل، يتعلق الأمر بكل من يجهر بدعوة ويتوق إلى نشرها. فزمنية المضارع زمنية مؤبدة الحضور.
ولقد حرص السارد على ذكر فعل المداهنة، لما له من أهمية في تخليد* مضمون قصة الوليد، ولما يشي به من أحداث مستقبلية تكرس المبدأ الدعوي من جهة وتعري سلوك المداهنة الذي سوف يكون ملازماً لكل من ينشط لمبدأ أو يتحفز لعقيدة ما.

إن فعل (لوتدهن) بقدر ما كان زمناً نحوياً مستقبلياً بقدر ما كان موحياً للدلالة المرافقة لهذا الفعل.

2-الزمن الثوابي:

يتجسد هذا الضرب من الزمنية في نماذج عديدة نرصدها في:

ما أنتَ بِنعْمَةِ ربِّكَ بَمَجْنُونٍ – وإنَّ لك لأَجْراً غَيرَ مَمْنُونٍ – وإِنكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظِيمٍ. نجد الزمن في هذه الآيات الثلاث مرتبطاً بزمن الآية المحور ن. والقلم ومَا يَسطُرون فالدواة والقلم والسطور، كلها أسماء تنبثق عنها صفة زمنية مخالفة لزمنية النحاة المعهودة. لأن الاسم عندهم "ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة"(( )).

فالقلم –في جوهره- عطاء باق، أو هو كل قلم ينهض بفعل الكتابة، فعل التوالد والاستمرار يرتشف حبره من الدواة (ن) ليخطّ ويخطّ عبر الزمن، وهو على هذه الحال يشكل فضاءاً زمنياً رحباً.

نفي الجنون عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفي مستمر مطلق. فالنفي من حيث هو فعل إلغائي، يعتبر زمناً. ومن حيث هو –لساناتيا- امتداد صوتي ناشئ عن ما، فإنه يجسد استمراراً زمنياً لنفي صفة الجنون الملحقة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إن الأجر المستمر في قوله وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيرَ مَمْنُونٍ في حقيقته زمن. لأننا نتمثل الناس –وبخاصة التابعين منذ العصور الأولى، إلينا، إلى ما بعدنا –في صلواتهم، يصلون على النبي. وهذا الأجر يعتبر ثواباً من وجهة، وكونه خالداً باقياً يعتبر زمناً من وجهة أخراة.

أما خلقه صلى الله عليه وسلم فهو ناشئ عن اعتراف سماوي بأدبية خلق الرسول صلى الله عليه وسلم. فهو –دائماً وأبداً- سيكون على خلق عظيم. وهو –بهذه الديمومة- زمن.

3-الزمن العقابي:

يتجسد هذا النوع من الزمن في قوله تعالى سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرطُومِ.

إذا أخذناه من حيث سياقه النحوي. فهو زمن تقليدي، لأن الوسم وقع على الوليد في غزوة بدر.
غير أنه –وبالرغم من توظيفه التقليدي- ينعطف انعطافاً متجدداً حين يتحقق فيه البعد المستقبلي. لأن الانتقام من الوليد –في حقيقته- انتقام من كل من تسوِّل له نفسه التعرض لدعوة محمد، أو الوقوف ضدها لمنع امتدادها الدعوي عبر هذه السنين المتلاحقة.

وبهذه الصورة يتخذ الانتقام من الوليد صفة الاستمرارية الزمنية. أو تبقى صفة الانتقام تمثل زمناً عقابياً يتربّص بالناس الدوائر، وبخاصة أولئك الذين يسعون لعرقلة الدعوة التي جاء بها محمد.

4-الزمن الساخر:

إننا نتمثله في ذلك الانتقال الإلهي من الوليد، والذي تكشف لنا من خلال آية سَنَسِمُهُ على الخُرطُومِ.

فالوليد بن المغيرة، تلك الشخصية التي انتقم منها السارد بطريقة تهكمية ساخرة. إذ كواه على أنفه إمعاناً في السخرية اللاذعة.

ولعل اختيار المكان "الأنف" من شأنه أن ينمّ عن خلفية ماضية تجسد أبوة العرف وسلطته. لأن الأنف رمز للنخوة والسيادة التي يعتز بها كل عربي، وبخاصة رجالات العصر الجاهلي. ويزداد الأمر إثارة، إذا علمنا أن القرآن لما نزل تمنى البعض لو كان نزوله على الوليد. حيث الغنى والجاه قال تعالى :

وقَالُوا لَوْلا نُزِلَ هَذا القُرآن علَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (( )).

فالرجل العظيم هنا قيل هو: "الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف"(( )) فالزمن الساخر –إذن- يأتينا من السخرية الخالدة التي نبقى نرددها.

فخرطوم الوليد دلالة زمنية لا تنقطع ولا تتوقف، تبقى خالدة مستمرة، نتمثلها شبكة دلالية تنشد سخرية القرآن من الوليد. وهذا التمثل ألفيناه يمنح خرطوم الوليد مدى زمنياً طويلاً لا ينتهي إلا بانتهاء الزمن نفسه.

ومن هنا يمكن القول: إن منظومة القرآن القصصية في صورتها السردية، تصدر عن أدبية خطابية تفعِّل الزمن وتنقله عن عالمه القار الذي صنعه له النحويون، ليغتدي فعلاً إجرائياً ذا قيمة إطلاقية لا تستنفذ، بل تظل فعالة متوهِّجة، من شأنها تثمين النص والوصول به إلى درجة تتجاوز حدود الفكرالإنساني –التي إن توصل إلى بعض زمنيتها –لتحال إلى زمنية إعجازية مقصودة لذاتها*.

سادساً: المكوِّن التصويري أو (تقنية التصوير):

إن الأديب –الذي اعتبر التصوير قاعدة عامة تنسحب على النص القرآني –هو سيد قطب حيث قال: "حينما نقول إن التصوير هو القاعدة الأساسية في أسلوب القرآن وأن التخييل والتجسيم هما الظاهرتان البارزتان في هذا التصوير، لا نكون قد بلغنا المنى في بيان الخصائص القرآنية بصفة عامة، ولا خصائص التصوير القرآني بصفة خاصة. وراء هذا وذاك، آفاق أخرى يبلغ إليها النسق القرآني وبها تقويمه الصحيح من ناحية الأداء الفني"(( )).

ويقصد بالتصوير ها هنا، هو ذلك المشهد أو تلك الصورة التي تكون ماثلة أمامك بواسطة الأسلوب القرآني، فكأنك تراها وتعيش معها، أو تتحرك فيك، وتارة تكون طرفاً فيها لمّا يتعلق الأمر بتوجيهية الخطاب إلى أمة القرآن التي أنت منها.

والشيق أن هذه الصورة تتحرك وتنشط طالما رمنا إلى قراءة قرآنية متأنية.

إن التصوير –في قصة الوليد- يتبدى في صورتين مختلفتين خارجياً مؤتلفتين داخلياً، تشكلان في نهاية الأمر صورة واحدة.

1-الصورة الأولى:

إنها ذلك الرجل، بمواصفاته السلوكية والجسمية والعرضية التي أشرنا إليها.

فهو رجل قصير القامة، ضخم الوجه، غليظ جاف، عتل، منتفخ البطن، كذاب، حقير، ذميم، ثرثار، كثير الحلف، نمام، باث للشرور. يمثل الرذيلة بكل أبعادها، وفوق كل هذا لقيط. ثم ثقيل في مشيته ثقل كلمة (عتل)، يتنقل بين الناس، ينشر السوء ويزرع الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم إلى مجلس آخر يلطّخه بلسانه ولمزته وهمزته وهكذا.


ولعل المجسد لهذا كله، هو تلك الشدّات المتواليات والتي تظهر على سطح صيغ المبالغة في (حلاّف همّاز مشّاء منّاع عتلّ) كلها عرض تقديمي، يعكس صورة هذا الرجل الثقيلة السمجة، الأمر الذي يجعلنا نرسمها في لهفة، ولو كنا نجهل أوليات الرسم لتحال في نهاية الأمر إلى صورة هزلية ساخرة.

2-الصورة الثانية:

إنها أشنع من الصورة الأولى التي رأيناها، والتي نالت من الرجل في جسمه وسلوكه وعرضه.
غير أن هذه الصورة تنحصر في حيز ضيق من جسم الرجل. إنها أنفه.

هذا الرجل، -زيادة على الصفات التي عرّفنا بها القرآن- فقد رزق أنفاً ليس كالأنوف، هو في البصرة، والأنف في البيت يطوف، على حد تعبير ابن الرومي. إنه أنف ضخم يتوسّط جسمه، يفزع قبل أن يفزع صاحبه.

هذا الأنف "الخرطوم" يكوى زيادة في التنكيل والتحقير والإذمام.

وبالتكامل الفني بين الصورتين، يكون الرجل ماثلاً أمامنا في هيئة صورة كاريكاتورية ساخرة.
إنها صورة تقاطعت مع صورة القردة والخنازير، مما يثير فينا غريزة الضحك لدرجة أننا نرفع يدنا لنضعها على فمنا، محاولين منع عقيرتنا من الانفجار ضحكاً مما آل إليه الوليد. وهنا "تكشّر اللغة السردية عن نواجذها لتهاجم وتصادم عن طريق السخرية العارمة"(( )) شخصية الوليد الذي تصفها بكل الأوصاف الكاريكاتورية الدالة على جبروته وبطشه.

فإذن وبهذه السلسلة الساخرة –والتي تنبع من الصورتين معاً- تكتمل حلقات التداخل والتواشج والتشابك التي شكلت حركات الآيات جميعها في قصة الوليد هذه، من بدايتها إلى نهايتها.
فصورة الوليد الساخرة وأفعاله الدنيئة وصفاته الذميمة.

والصورة التي عليها اللغة التي تمثلت هذه الصفات، من شدات، ومدود، وصيغ مبالغة، وجمل قصيرة. كل هذا بث حركة دائبة سرت عبر سطح النص. وكذلك البداية والنهاية التي رافقت الشخصيتين (الأساس). بحيث البداية من جهة الرسول، كانت فشلاً وإحباطاً وتأثراً، غير أن النهاية كانت انتصاراً وفوزاً عظيماً.

أما البداية من جهة الوليد، فكانت تعنتاً وتجبراً وتسلطاً. غير أن النهاية كانت انهزاماً وخذلاناً مبيناً.

وعبر تكامل هذه الثنائيات التي شكلت هذا النص، تنتظم، بنية الآيات وفق حصيلة حركتين جوهريتين.

-الحركة الأولى: حركة التكامل بين (صورة الوليد الأولى والثانية) والتناغم الذي تشي به الجمل القصار ذات الإيقاع المتنوع، بين المديد النوني المرفوع والمديد النوني المسكور إضافة إلى فونيم (يم +وم) والتي رافقت أوصاف الوليد.

-الحركة الثانية: حركة التنامي التي ابتدأت بأدوات القسم، مروراً بجوابها المشكّل من النفي ب (ما)، وأداتي التوكيد ب (إن)، واللامين المزحلقين (لأجرا) (لعلى).

بحيث تنامت الحركة بطريقة تصاعدية نازعت الرسول مرتين. مرة حين كانت النفس مهزوزة والعزيمة مثبطة. وأخرى حين أصبحت مرفوعة مكرّمة.

كل هذا سجلته اللغة وصورته الآيات تصويراً بديعاً، وحرّكه الإيقاع المتنوع وبث فيه نشاطاً دائباً، خالقاً بذلك جوّاً سنفونياً عارماً، شمل القصة كلها دون أن يُلحق خللاً في المعنى أو في المبنى. "إن اللغة لها وجهان. وجه يتمثل في الأصوات المسموعة وما تستشعره الأذن من وقع الكلمة ونغمها، ووجه يتمثل في الدلالة والمضامين التي تحملها الألفاظ"(( )).

ولقد شاركت الجمل القصار أو البنية القصيرة مشاركة لطيفة في توجيه مضمون النص القصصي هذا، وأودعت فيه حركة انسجمت (كمّاً وصوتاً) مع أفعال الوليد الطبيعية ذلك أن الجمل القصار هي التي يعوِّل عليها النص القرآني "لأنها أسهل لدى الحفظ، وأسرى لدى الرواية وأمتع لدى القراءة، وألذ في السمع، وأنفذ إلى القلب والذوق لدى تشرب الجمال الفني النابع منها وتذوقه"(( )).

هذا الجمال الفني الذي استطاعت اللغة القرآنية أن تقدمه عبر القصة القرآنية القصيرة، التقديم الذي يجمع إلى جانب المضمون الهادف، الإيقاع الجميل والنسج الكريم والسرد العذب.

إننا ألفينا هذا الجمال مقرراً من جهة العقل والشرع والطبيعة، على حد تعبير أبي حيان التوحيدي الذي يقول في مسألة تحديد الجمال أو (الحسن والقبيح): "ومناشئ الحسن والقبيح كثيرة: منها الطبيعي ومنها بالعادة، ومنها بالشرع ومنها بالعقل ومنها بالشهوة. فإذا اعتبر هذه المناشئ صدّق الصادق منها، وكذّب الكاذب، وكان استحسانه على قدر ذلك"(( )).

إذا أضفنا إلى هذه المناشئ التي اجتهد التوحيدي في إيجادها، منشأ اللغة، نكون قد أعطينا حكماً قبلياً عن الجمال –وباعتباره كذلك- يكون أقرب إلى الحكم النهائي عن الجمال في النص الأدبي وتحديده.

فاللغة –إذن- هي المقصد الأول والنهائي لمعرفة الجمال المكنون في النص القرآني.
فجمال هذه القصة ينحصر في الألفاظ والإيقاع، وفي مدى انسجام الصورة مع اللغة في كيفية التناسق والمساوقة التامتين بين الدال والمدلول من جهة المضمون "ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق بل تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل"(( )).

وإن كان الجمال –في جوهره- محل اختلاف في تحديد طبيعته والاتفاق على ضابط يحكمه، لأننا مثلاً، نجد الصورة الحسنة قبيحة عند هذا، والقبيحة حسنة عند ذاك.

ولكنّ علته "وقد يكون الشيء متقناً محكماً، ولا يكون حلواً مقبولاً. ويكون جيداً وثيقاً، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً. وقد نجد الصورة الحسنة والخلقة التامة مقلية ممقوتة، وأخرى دونها مستحلاة مومقة. ولكل صناعة أهل يرجع إليهم في خصائصها، ويستظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها"(( )).

ولقد كان القاضي الجرجاني ذكياً حين أشار إلى أن لكل صناعة أهلاً ينبغي استشارتهم والأخذ برأيهم فيها.

لعل هذا كله يدفعنا إلى القول: إنه ليس من السهل معرفة عبقرية النص القرآني بجانبيه البنائي والمحتوائي إلا لمن كان له بيان، أو عانق النص وهو متسلّح بالمناهج القادرة على استجلاء مكتومات النص الجمالية. ينضاف إلى ذلك معرفته الكاملة بعلوم القرآن (تلاوة وتفسيراً). وفوق كل ذا وذاك، توفر باحث المتن القرآني على قدر كاف من حب لهذا النص واستظهار لآياته وتقديس لما جاء به.

ويمكن القول: إن سر، جمال هذه القصة يكمن في مكوِّنها الإيقاعي الثري المتنوع. كما رأينا. لا جرم أن كثيراً من المشتغلين في حقل الإجرائية اللغوية يرون في الإيقاع، أنه من الأمور الصعبة التي لا يمكن معالجتها وتحديد معالمها. وإن كانوا حاولوا حراسة حدود الجمالية الإيقاعية، حيث وضعوا قوانين واعتبروها قاعدة تنسحب على كل نص إبداعي وإليها يعزى اكتشاف الإيقاع.

وهي سبعة "النظام –التغير –التساوي- التوازي- التلازم- التوازن –التكرار"(( )) وإن كانت هذه القوانين –في حقيقتها- مجرد مساعدة للحكم على الآثار الأدبية، فإن جمالية الإيقاع في القرآن لا تسعها هذه القوانين و لا تحدها.

وبهذه الدراسة السيميائية لمكونات الخطاب السردي في قصة الوليد، يكون النص القرآني قد بلغ المدى في دقة التصوير وجمال الإيقاع وإعجازية التركيب مما يدفع إلى الإعجاب والانبهار.
وفي هذا السياق يقول الرافعي "وبعد فأنت ترى أن أفصح الكلام، وأبلغه وأسراه وأجمعه لحر اللفظ ونادر المعنى، وأخلقه أن يكون منه الأسلوب الذي يُحسم مادة الطبع في معارضته.

هو ذلك الذي تريده كلاماً، فتراه نفساً حيّة كأنها تلقي عليك ما تقرؤه ممزوجاً بنبرات مختلفة، وأصوات تُدخل على نفسك –إن كنت بصيراً بالصناعة متقدماً فيها- كل مدخل، ولا تدع فيها إحساساً إلا أثارته ولا إعجاباً إلا استخرجته. فلا يعدو الكلام أن يكون وجهاً من الخطاب بين نفسك ونفس كاتبه، وتقرؤه وكأنك تسمعه، ثم لا يلج إلى فؤادك، حتى تصير أنت المتكلم به، وكأنه معنى في نفسك ما يبرح مختلجاً، ولا ينفك ماثلاً من قديم، مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك"(( )).


يـُـــــــتبع إن شـــــــــــــــــــــاء الله..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#36  مشاركةبواسطة KHOLIO » الخميس إبريل 16, 2009 2:22 pm

الفصل الثالث

مستويات السّرد في القصة القرآنية


يتمثَّل موضوع هذا الفصل، في البحث عن مستويات السرد الإعجازي من خلال نصوص قرآنية معينة.

ولعلنا نعني بالمستوى، هو أن نسعى إلى تحديد أنماط سردية متباينة، قد لا تنتظم وفق خصوصية واحدة مطردة تعمل على أحاديتها، وبفعل هذا التمايز يتحدّد النوع السردي الذي فضلنا أن نطلق عليه: (مستوى).

ولما كان السرد القرآني متنوعاً في النص القرآني عامة، وفي النص القصصي بصورة خاصة، وجدنا أنفسنا مضطرين إلى إحصاء أنواع سردية اجتثثناها من سردية عامة. غير أن هذه الأنواع بعضها متداول على ألسنة النقاد، وبعضها، اجتهدنا في أن نضع له مصطلحاً يتلاءم وخصوصياته التي تميز بها عبر المتن القرآني.

إن المصطلحات التي نعالجها في هذا الفصل –كالسرد الإيقاعي والدائري والإنشادي والإضماري والمشارك وغيرها، ما يظل مضمراً في ثنايا النص القرآني- لم تتكشّف لنا، ولن تتكشف إلا بفعل عاملين أساسين:

-العامل الأول: يكمن في الاتصال المكثف بالمتن القرآني (قراءة وتأملاً) والخوض في فضاءاته الرحبة، ولعله العامل الأهم. ولن يتحقق هذا التلاقح والتلاحم "طالما لم تندمج الذهنية في الفضاء القرآني بدءاً بدرس المحفوظات للناشئة، إلى التمرس بالشاهد الخطابي القرآني في كل منزع تحليلي أو تركيبي، وفي أي فرع معرفي"(()) ليتم الاحتكاك والتقارب، والتجاور، والتحاور مع النصية القرآنية.

ولعل هذا يفضي إلى تحقيق قدرة تجاوزية من شأنها ملامسة جوهر النص القرآني في مظاهره السطحية والغورية. لأن المتمرّس على المجالات القرآنية "ينبغي له أن يكون عارفاً بذلك (القرآن) لأن فيه فوائد كثيرة. منها، أنه يضمنه كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها، ومواضعها المناسبة لها ولا شبهة فيما يصير الكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرونق"(()).

وفي هذا السياق يقول ابن قتيبة "إنما يعرف فضل القرآن، من كثّر نظره واتّسع عمله، وفهم مذاهب العرب وافتتانها في الأساليب"(()).

-العامل الثاني: يتمثّل في هذا المسوغ الحضاري، الذي طرح نفسه بوصفه معطى عصرياً اتفق على تسميته بالحداثة، التي لها فضل استجلاء المصطلحات السردية التي ننوي معالجتها.

إن الحداثة –بثقلها المتميّز- فرضت على النقاد إعادة قراءة النصوص التراثية بتعمق، وذلك بتجاوز لمعناها الظاهري، الأمر الذي خوّل لها أن تحال إلى إجراء اجتهادي سوغته المعطيات العصرية الراهنة.

فالحداثة –إذن- ضرورة حضارية ملحة تمكّن من اختراق حدود الأحكام الجاهزة، إلى رؤى معرفية كشفية تعتمد على مقروئية المتلقي –في كل جوانبها-.

ولما كان هذا المعطى حاضراً بهذه القوة، وبخاصة في مجال النص الأدبي الذي "مازال النقد الحديث يسير نحو تمجيده، وحصر الجهود حوله حتى أصبح النص شيئاً شبه مقدس، في عالم النقد يجب أن يستأثر بكل انتباه الناقد ودراساته، كما يجب أن يكون كل شيء لدى الناقد وقرائه على السواء"(()) فإنه لمن الأجدى أن ينسحب على النص القرآني، لأنه يدفع إلى التأويل ويمنح القدرة على إضاءة المألوف والكشف عنه في الراهن والحيني.

وإذا لم نفعّل الحداثة في مجال النصية القرآنية فإنها "ستظل عائمة غائمة لانبتاتها عن أكمل متن لاقحها ولاقحته على مدى العصور"(()).

إن السرد القرآني نتمثله عدة إجرائية، تعمل على تحديد أوجه الخطاب القرآني في معطياته السردية المختلفة().

إن هذا التنوع في خطابية النص القرآني يفضي بالضرورة إلى تنوع في سرديته، ونحن إذ نعدد الأنماط السردية إنما "نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤديها بالدليل وندعمها بالشاهد مؤكدين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته، وسحر بيانه. إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه"(()).

ولعل التنوع السردي المتشاكل مع الخطابية القرآنية، هو ما أحصاه الدكتور عبد الملك مرتاض –وهو يعالج نصاً شعرياً- في أربعة أضرب:

1-خطاب مغلق، وقصة مغلقة.

2-خطاب مغلق، وقصة مفتوحة.

3-خطاب مفتوح، وقصة مغلقة.

4-خطاب مفتوح، وقصة مفتوحة"(()).

وإذا كانت هذه التصانيف –في صميم جوهرها- تعبّر عن زخم سردي جمالي وفني يزخر به النص الأدبي الوضعي، فإن المتن القرآني، قد بدت تجليات الأنواع السردية فيه واضحة، وتمايزت بتمايز مضامينها، بل لقد عدّد من أنماطها.

غير أنه لا يمكن استجلاؤها إلا بالنظرة الواعية الرشيدة، التي تنهض على الذائقة الجمالية.
وفي هذا السياق يقول الزركشي "اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق، والجلي والأجلى، والعلي والأعلى من الكلام، أمر لا يدرك إلا بالذوق ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه"(()).

أولاً: السرد الإيقاعي:

قبل أن نعالج هذا الموضوع الناهض على الإيقاع، يجمل بنا أن نشير إلى أن إيقاعية قصة الوليد –التي سبق أن قاربناها في الفصل الثاني- تختلف في درجة تواتر فونيماتها من وجهة، وكونها تخضع لإيقاعية متنوعة من وجهة أخراة. وأيضاً عِلاجنا لها، كان مقتصراً على الإيقاع بوصفه مكوناً لخطابية نصّ قصة الوليد. أما في عنواننا، هذا فسنرى إيقاعية جديدة جسدتها سردية سورة النجم في مقاطعها العشرة الأولى.

لقد خصّصت بداية هذا الفصل، للسّرد الإيقاعي لما له من حضور مكثف على صعيد البنية القرآنية قاطبة، إذ يكاد يشغل مساحة قرآنية معتبرة، بحيث ألفينا كل سورة من سور القرآن تتلون بسردية إيقاعية تميزها عن باقي السور. وتبعاً لهذا التلون يتحدّد وجه السرد.

*النص المنتخب:

لعل النموذج المجسد للسرد الإيقاعي، هو ما يمثله النص السردي لسورة النجم التي هذا نصها.
]والنَّجْمِ إِذَا هَوَى، ما ضَلَّ صَاحِبُكُم ومَا غَوَى، وما يَنْطِقُ عَنِ الهوَى، إِن هُو إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى، ذُو مرَّةٍ فاسْتَوى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى[ (()).

قبل الشروع في تجلية مظاهر السرد الإيقاعي، يحدو بنا أن نشير –ولو اجتزاءً- إلى مضمون الآيات.

فلقد جاء هذا النص الكريم ليصور معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم() من قبل قومه بما نعتوه من صفات لا تليق به، بوصفه نبياً مبعوثاً من الله. وقد أقسم الخالق بالنجم، لعظمته وعظمة لحظة السقوط. وجاءت هذه الآيات أيضاً لتجسد علاقة المطلق بالمتحين، علاقة السماء بالأرض.

فكأن سقوط النجم –إذن- مرآة تعكس علاقة تبليغية جديدة في حقل العالم الرسالاتي، والتي يمثلها جبريل رسمياً، حيث تمثل للرسول صلى الله عليه وسلم "على صورته الحقيقية التي خُلق عليها، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان بحراء، قد سدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ مغشياً عليه. وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها فواعده بحراء، فنزل جبريل في صورة الآدميين"(()).

وبهذه الوساطة، تم تحقيق نظرية اختراق الحجب وتجسيد مبدأ التواصلية الذي يكون عليه الكون.
إن أول ما يلفت انتباهنا، هو ذلك الإيقاع المطّرد الذي يسم هذه المقاطع، التي يتردد صداها في الوجدان السمعي للقارئ.

ولعل الملاحظ لمدود هذه القصة، يجدها تتحرك عبر فونيم واحد لا يكاد يبرحها، وهو المد باعتماد الألف المقصورة والمجسد في مقاطع: -هوى- غوى- الهوى- يوحى- القوى- فاستوى- الأعلى- فتدلى- أدنى- أوحى.

إن حركة المد المفتوحة بامتدادها المحسوس المنبعث من فونيمات تلك المقاطع، هي القائمة بالتشكيل الصوتي لهذه القصة.

غير أن هذا اللون من الفونيمات أو المد الصوتي المفتوح، وجدناه ينسحب على بنية السور المكية، لما فيها من إيقاع يقوم على التماس الذائقة الجمالية وينهض على تحريك الوجدان وتفعيل الدلالة.
ولا شكّ أن تنامي مثل هذا الإحساس يحصل بحكم انجذابنا إلى ما هو جميل ومدى استجاباتنا له.

وانطلاقاً من هذا، فإننا نتصوّر أن يكون الإيقاع القرآني، هو المظهر الخفي ذو الإيحاءات القوية المبثوثة خلال الفونيمات، وهو ببعض هذا، قريب إلى الرؤية التي تنظر إلى الإيقاع على أنه "في الفن هو الذي يمثل نبض الكون، فهو مبدأ جوهري يسري في كل عصر، وفي كل إنسان، إنه قوة موضوعية. هذه القوة وحركتها موجودتان دائماً بصرف النظر عن كوننا نعي ذلك أو لا نعيه"(()).

غير أن إدراك الإيقاع في جانبه البنائي، قد لا يشكل صعوبة في استكناهه ومعرفته. إنما الصعوبة تحصل بفعل الحركة الاستبطانية التي يسري فيها الإيقاع وعلاقتها بمضمونية النص الأدبي، وذلك حين تصبح إيقاعات الألفاظ مادة أساسية لتكوين النص القصصي، بحيث تنوب أحياناً عن المضمون، ويقصد من ورائها إلى الإيحاء بنفس الرنين والنغم إلى استكمال مالا تستطيع معاني الألفاظ أو تؤديه من الأحاسيس والمشاعر.

والحقيقة أن دراسة الإيقاع ليست عملية سهلة "والواقع أنه ربما كان من السهل دراسة الإيقاع في الموسيقى، وكشف هذه القوانين بسهولة فيها، لأنها فن زماني تتضح فيه الصورة الأولى ولا تختلط بشيء. أما فن القول فإن استكشاف هذه القوانين أمر من الصعوبة بمكان"(()).

ولعل ذلك كله يدفعنا إلى القول: إن السرد الإيقاعي ظاهرة تعبيرية تنقل الأحوال الوجدانية نقلاً غامضاً ومتوقّعاً، وفق رنّة مقصودة هي أقرب إلى المعنى المحمول عبر تلك الإيقاعية.
تواتر –إذن- فونيم قصة الوحي هذه، عشر مرات متضمناً خلالها إحساساً عميقاً بمظاهر ثقل الرسالة وفعل الوحي.

يتجسد هذا الإحساس العميق في مظهرين أساسين. أحدهما: يتخذ خاصية النفي مظهراً له، وثانيهما: يركن إلى الإثبات.

*مظهر النفي: مقاطعه: ]مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى[ ]ومَا يَنْطِقُ عَنِ الهوى[.

*مظهر الإثبات: مقاطعه: ]إنْ هُو إلا وَحْي يوحَى[ ]علَّمَه شَدِيدُ
القُوى..[ ]فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِه ما أَوْحَى[.

وبتأمل بسيط نكتشف أن المحور الإيقاعي، ينبع أساساً من تباين هذين المظهرين اللذين يخضعان لإيقاع واحد ترسمه الألف المقصورة.

إن الألف المقصورة –في جوهرها- مديد مائل خطّاً. إذ هي قبل أن تكون في صورة (ى) كانت ألفاً (ا). ونحن نتحسس هذا ونستشعره حال النطق بها.

وبهذه الطريقة نوضح ذلك. ا=ى. أي كان الألف عمودياً ثم –وبواسطة الكتابة –أصبح مائلاً. أي كان على هذا النحو: ا ثم صار على هذا: ى. فتحقق الميل. على هذه النمطية التي تباشرها السورة بمدخلها، يتواصل السرد الإيقاعي بملازمة جرسية واحدة هي نبرة الفواصل المسموعة من خلال صائتها الرئيسي المجسد في الألف المقصورة.

هذا على صعيد الحرف (ى) وظهور خاصية الميل فيه. أما على صعيد المضمون فإن عنصر الميل يتحقق عبر الفونيمات العشرة، ويمكن أن نتمثل هذه الظاهرة فيما يعرف بالأنوماطوبيا (onomatopoeia)() التي تعني "محاكاة اللفظ بصورته لمعناه"(()).

وقد ألفيناها حاضرة في هذا النموذج. إذ نجد الصوت مقترناً بالمعنى المحمول على المقطع.
إننا لو تتبعنا السرد لألفيناه بمظهرين.

-مظهر بارز ترسمه الألف المقصورة التي تنتهي بها كل المقاطع.

-مظهر داخلي يحاكي الأول من طرف خفي على صعيد المحتوى.

غير أن الفصل بين المظهرين يستحيل والتطابق بينهما أمر في غاية التناسق، والسرد يمر خلالهما في عطائية وانسياب.

نجد مدار هذه القصة يقوم على هذا الرسم: من العمودي إلى المائل، ونجد السرد –بموازاة هذا- يقوم على أساس هذه الثنائية.

لنفصّل ذلك عبر كل الفونيمات.

1-السرد الإيقاعي في الشكل: (الفونيم) وفي المحتوى (المعنى)

أ-المقطع الأول: ]والنَّجْمِ إِذَا هَوَى[
النجم كوكب قار ومتحرك. فهو –إذن- يقوم على نظام الثنائية.

فهو قار من جهة المدار الذي وضع فيه وفي حال النطق، ومتحرك إذا هوى (سقط). وحركته نشأت لغاية إعجازية وعقابية. قال تعالى ]وَلَقَدْ زَينَا السَّمَاءَ الدُنْيَا بِمصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطينِ[ (()).

والرجوم جمع رجم، وهو مصدر سمي بما يُرجم به "ومعنى كونها مراجم للشياطين، أن الشهب التي تنقضّ لرمي المسترقة منهم، منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها قارة في الفلك على حالها وما ذلك إلا قبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص"(()).

إذن هذا المقطع ذو ثنائية شكلاً ومضموناً. فالشكل يتضح في رؤية الشهب وهي تسقط ليلاً. أفلا ترى مائلة؟

وأما المضمون فيتضح حين جعله الله قسماً. فهو بهذه الصفة مال إلى مخلوق خلقه، وهو النجم. ونقطة التلاقي والاشتراك هي الميل.

ونحن إذ نستكشف ظاهرة الميل كخاصية مضمونية، فإننا نؤكد أننا في تخريجنا هذا، نعتمد على درجة التلقي التي ينبغي أن تعكس قدرة القارئ وتفاعله تجاه النص القرآني –في كل طروحاته- ومن ثم تحدد نسبة وعيه، وتميز حدود تقبله لجمالية ما، مما يعرضه النص. ولذلك فإن "ما يميز التنافر من التوافق ليس ازدياد درجة الجمال أو نقصها، وإنما ازدياد درجة القابلية للفهم أو نقصها"(()).

ب-المقطع الثاني: ]مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَما غَوَى[.
الضلال والغي: عكس الهدى والرشاد. وهما مظهران يحيلان إلى الزيغ والانحراف. فالرسول صلى الله عليه وسلم نعت بهما، الأمر الذي جعل السارد (الإله) يستعمل أسلوب النفي ليرفع عنه هذه النعوت. وعسى أن يكون هذا واضحاً على صعيد المحتوى.

أما على مستوى الشكل فإنهما يصنعان ميلاً نستشعره في أذهاننا ويرتبط بمضمون كلمتي (ضل) (غوى) وبخاصة في الألف المقصورة.

ج-المقطع الثالث ] وَمَا ينطِقُ عَنِ الهَوَى[
إن نطق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مرجعه لمجرد هوى في نفسه، بل هو وحي يوحى. هذا وحده يكفي لتجسيد خاصية الميل.

تتبدى هذه الخاصية على مستوى الإيقاع والمضمون معاً. من هنا تبدو وظيفة الإيقاع الجمالية، التي تعمل على تحريك القارئ وتفجير داخله، ولا تعزله عن المتعة الحسية والانفعالية التي يحدثها فيه الإيقاع.

وعلى هذا فالإيقاع القرآني هو "القوة التي تربطنا وتشدنا إلى جذور كياننا من داخل إحساساتنا"(()).

أما في الشكل، فالمسألة جلية. أفلا ترى معي أن نطق الوحي من تلقائية النبي –كما يدعيه المشركون- ميل إلى هواه؟ والإجابة تكون بالإنعام. فالميل –إذن- موجود شكلاً ومضموناً.

د-المقطع الرابع: ] إِنْ هُو إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[.
هذا المقطع حسبه كالمقاطع السابقة.
فالوحي (القرآن) كان في اللوح المحفوظ ثم أنزل "من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (ليلة القدر) جملة واحدة ثم نزل منجماً في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حساب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة"(()).هذه الحركة تحقق ميلاً.

هـ-المقطع الخامس: ]عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى[
إنْ كنا بصدد تحقيق مبدأ الثنائية بين الشكل والمضمون، فإن التعليم مظهر يحققهما على الفور، لأن التعليم فيه الباث والمتلقي. فالمعلم: "جبريل"(()) والمتعلم: الرسول صلى الله عليه وسلم. والميل واضح في عملية التعلم.

و-المقطع السادس: ] ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى[
هذا المقطع يحافظ على خاصية السرد الإيقاعي. فكأنه أمدّ المقاطع الأخرى بنفَس إيقاعي جديد، يمنع وصول الفتور إلى أي مقطع آخر. وهو ما تجسده آية (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُون)، فليس الحفظ مقصوراً على عدم التحريف والتزييف بل حتى الناحية الجمالية نجدها مقصودة.

نجد لفظة (فاستوى) تدل على هيئة جديدة كان عليها جبريل عليه السلام. فالانتقال من هيئة إلى أخرى ميل.

وبهذا، فالميل تحقق في كل المقاطع السابقة.

ز-المقاطع الأخرى: ]وُهُو بِالأُفقِ الأَعْلَى، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسِينِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ما أَوْحَى[.
نجد هذه المقاطع مرتبطة بما قبلها، ومحققة لخاصية الميل المنشودة.
فجبريل مستوٍّ بالأفق. يتخذ صورة ثابتة، وحين شرع في التدلي، يتخذ صورة متحركة. ثم يدنو ليصنع في النهاية هيئة أخرى. وبين الثبات والحركة ميل، وأيضاً تقدير المسافة بالقوس فيها دلالة الميل، لأن القوس –على صورته- مائل. فثمة أيضاً ثنائية الشكل والمضمون.

وفي المقطع الأخير يظهر الميل واضحاً. أليس الوحي إلقاء المعنى في قلب النبي؟ والوحي يكون من أعلى إلى أسفل. أليس هذا خطاً مائلاً؟

غير أن هذا الميل لا يتجلى إلا من خلال ما نضفيه من معان جمالية، ذلك بأننا نجعل النبض الإيقاعي يتجاوز المستوى الانفعالي باتجاه أعمق، بحيث لا يكفي أن يكون هذا الإيقاع مجرّد استجابة سطحية، بل ينبغي أن يتحول إلى تجربة باطنية، من شأنها أن توازي حدود ما يفيض به النص من دلالات متنوعة تبعاً لهذا الإيقاع. لأن "طبيعة الجمالية الإيقاعية الحديثة ليست مهيأة لموروث النظام النغمي وإنما تسعى إلى هدمه وتفكيكه بغية خلق أنواع جديدة من التراكيب النغمية"(()).

وهذه النظرة يمكن تجاوزها بعمق، لأن النص –هنا- قرآني لا يتحدد ومن ثم فالمقصدية هنا، هي استقراء الباطن واستجلاء العمق.

وقد لاحظنا أيضاً –وعبر هذه المقاطع القرآنية- إيقاعات داخلية، من شأنها تفجير المكبوت النصي، بحيث ألفيناها تعمل على توليد فضاءات دلالية وأبعاد جمالية، بلغت حد الانبهار.
هذه المقاطع العشرة تمثل النوع الأول الذي أطلقت عليه السرد الإيقاعي.

وهو في مظهره يتسم بالازدواجية "فكأن هذا الإيقاع المزدوج بمثابة شحنة صوتية سرت في سطح النص من أوله إلى آخره، من أجل شد الجزء الأول من المستوى الإيقاعي بالجزء الآخر منه"(()).

ونكتفي بالعلاقة المتينة بين شكل المقاطع ومضامينها، والتي تجسدها الألف المقصورة ظاهرياً والميل باطنياً.

فالميل والانحناء: هما خاصيتا هذا النوع من السرد. فلقد بلغ الترابط العضوي بين هذه المقاطع حداً رائعاً من الإيقاع وجماليته شكلاً ومضموناً. كل هذا صنعته الألف المقصورة أو الفاصلة القرآنية التي "ترد وهي تحمل شحنتين في آن واحد، شحنة من الواقع الموسيقي وشحنة من المعنى الملتحم للآية"().

تتحرك هذه المقاطع في فضاءات ثنائية يجسدها الميل والانحناء على صعيد المضمون، وترتسم إيقاعات متتابعة تنهيها الألف المقصورة في كل مقطع مما يتحقق الميل المقصود، ويرتسم عبر هذه الثنائية سرد إيقاعي رائع.

ولعل الأمر كله مرتكز على الألف المقصورة التي صنعت إيقاع كامل السورة، لأن السياق الإيقاعي العام للسورة، يبني نغميته باصطفاء واضح لهذه النبرة المدية المفتوحة"().
ولتأكيد حضورها الإيقاعي، نذكر رأيين بلاغيين:

-الرأي الأول: يقول الرافعي "وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه وما حسُنت في كلام قط إلا في موقعها منه. وهي كلمة ضيزى من قوله تعالى ]تِلْكَ إِذاً قِسْمةٌ ضِيزَى[ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، فإن السورة التي هي منها، وهي سورة النجم مفصّلة كلها على الياء (الألف المقصورة) فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد. فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله مع ولدهم البنات. فقال تعالى ] أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى، تِلْكَ إذاً قِسْمةٌ ضِيزَى[ فكانت غرابة اللفظة أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة"().

وأعتقد أن سبب هذه القسمة، يرجع إلا أن العربي إنما كان يكره البنت. وقد سجل القرآن ذلك*. وكونه كان يكرهها، جعلها لله. على حين كان يحب الذكر فجعله له. وقد عاملهم القرآن على قدر عقولهم وسذاجتهم، فردّ عليهم
]أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَله الأُنْثَى[؟

-الرأي الثاني: يقول الدكتور أحمد بدوي "هذه الفواصل لها قيمتها في إتمام المعنى، وهي مرتبطة بآياتها تمام الارتباط، ولها أثرها الموسيقي في نظم الكلام، ولهذه الموسيقى أثرها في النفس… ومن أجلها حدث في نظم الآي ما يجعل هذه المناسبة أمراً مرعياً، فمن ذلك إيثار أغرب اللفظين نحو (قسمة ضيزى) يقول وقد أحسن ابن الأثير توجيه هذه اللفظة إذ قال: إنها في موضعها لا يسّد مسدها غيرها.

ألا ترى أن السورة كلها –سورة النجم- مجموعة على حرف الألف، فقال تعالى ] والنَّجْمِ إِذَا هَوى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى[ إلى آخر السورة. فلما ذكر الأصنام، وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال ]أَلَكُمُ الذَّكُر وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى[ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه، وغيرها لا يسد مسدها"().

وقصدنا من إيراد هذين الشاهدين، أن نبيِّن أن السردية القرآنية تخضع لعنصر الإيقاع بصفة إلزامية، الأمر الذي جعل محاولة تبديل كلمة (ضيزى) بكلمة أخرى، ضرباً من العي وجنساً من القصور. ولو حاولنا كقولنا (جائرة) مثلاً. لأخلّت بالإيقاع ولحدث الاضطراب.

لأن الإيقاعية القرآنية فاعلية جمالية، من شأنها تحديد البنية الشكلية للسورة، وذلك من خلال مستواها الخارجي المجسد في الفواصل، فهو ليس مجرد شكل يجاري السورة في جملها، بل هو "تنظيم متوال لعناصر متغيرة كيفا في خط واحد، بصرف النظر عن اختلافها الصوتي".

ونجد هذا الإيقاع محتضناً من السرد في تناسق طردي، ليمضي السرد مترنماً على سطح السورة متخذاً الألف المقصورة عضداً إيقاعياً له، يغشى مقاطع السورة كلها.

فالمقاطع العشرة تنتهي بها، لتحدث انسجاماً إيقاعياً وتوازناً صوتياً* بينها لأن "التوازن الصوتي وحده جيد، ولكن أجود أو أكمل له، أن تكون صورة التوازن تامة باشتراك حرف واحد في فواصل كل وحدة"().

على صعيد أعمق، يكون توظيف النجم في المقطع الأول استحضاراً لصفة ضدية، وإن كانت في الظاهر غير ذلك. لأن ]والنَّجْمِ إِذَا هَوَى[ قسم. جوابه المقاطع الأخرى، لأن الظاهر بين المقطع الأول والمقاطع الأخرى واحد، هو الميل.

وبهذا الالتقاء تكتمل البنية الإيقاعية وتصبح انفجاراً داخلياً، يتحرك على صعيد مضامين هذه الإيقاعات وخارجياً، يتموج عبر سطح مقاطع هذه القصة. ويحدث الالتحام ويتعانق الخطان في لحظة توهج، يمثلها السرد الإيقاعي الذي يطوقهما، ويتنامى الخطان في ظل هذا التطويق ويبلغان ذروة التصعيد الإيقاعي، الذي أبدعته الألف المقصورة التي تنهي كل فونيم.

ويصعب الفصل في مثل هذه الصّور المدهشة بين الإيقاع والسرد.

ومما ينبغي ملاحظته هو أن السرد الإيقاعي، يخضع لظاهرة عاطفية وجدانية، ونعني بها الغنائية. إذ ألفينا السرد المذكور ينهض على مبدأ الغنائية، الأمر الذي جعله يتميز عن السرد في المقامات الأدبية الأخرى. إذ "لا يمكن للإيقاع أن يتحقق وحده، حتى وإن كان الكلام أو الحوار نثراً، إلا بانضمامه إلى شيء غنائي أو موسيقي يكشف عن التناسق والانسجام"().

ولعل المتن القرآني في نواحيه البنائية الكثيرة يكون متوفراً على مقومات الخطاب الإيقاعي، الشيء الذي جعله ينهج سردية تناغمية مطلقة.

غير أن خطيّ النشوة والانقباض- واللذين تقاطعا في نقطة النفي نجدهما يمثلان –ضمنياً- الصراع القائم بين الحق والباطل.

فالواقع أن خط الحق يرفعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وخط الباطل يمثله كفار مكة.
وربما الشيء الفني الملاحظ، هو أن السردية الإيقاعية التي ترافق مضمون الخطين، تجسد ظاهرة الميل التي ينشدها الخطان، لأن لكل منهما ميلاً عقائدياً.

غير أن هذا التشكيل الإيقاعي نجده ينهض على نظام الثنائية الضدية، وهي سمة حداثية لا غير.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن الفعل التأسيسي لظاهرة الثنائية الضدية انبثق عن التراث الأدبي العربي. بحيث نجد الوعي الصوفي العربي سباقاً إلى بعث هذه الثنائيات التي تعكس رؤية تأملية استبطانية. فلقد ألفينا ابن عربي في الفتوحات المكية يوضح هذه العلاقة من خلال تمييزه بين "المضمون الأول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية، والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية.

ويسمي وجه الرسالة الأول (العبارة) في حين يسمي وجه الرسالة الثاني (الإشارة)"().
وفي هذا الإطار دائماً، نجد أن مبدأ التقسيم الثنائي للكلام، كان حاضراً في مرصودات البلاغيين، بحيث ألفينا تأصيله عند الجرجاني بقوله: "الكلام على ضربين. ضرب أن تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.

ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل"(). إلا أن النص القرآني يزيد على ذلك، حين يتعلق الأمر بالإيقاع، حيث نجده يحمل الدلالة اللفظية التي نكشفها نحن من طرف خفي.
وفي هذا الشأن وجدنا [مايكل ريفاتير] يقول: "إن الأدب بقوله شيئاً، يقول شيئاً آخر. ويمكن طرح القاعدة طرحاً متطرفاً- عن طريق قياس المخالفة- بالقول: إن الأدب عندما يقول شيئاً، يقول لا شيء"().

وإذا كانت طبيعة هذه الرؤية، قد انسحبت على النص القرآني فإنها لا شك قد تولدت عنه وبلورت الفكر الصوفي، فاستجاب لها.

غير أن هذه الثنائية لا يعني أنها تختلف في تصورها عن جدل الثنائيات الأخرى التي تفضي إلى تعددية النص وإحالته إلى أبعاد رمزية يستحضرها المتلقي، بناء على درجة فهمه ومستوى وعيه التفكيكي وقدرته على مجارات التأويلية.

2-دلالة المضارع في النص:

"إن المفردات علامات في نسق كلي، مما يجعل التوقف عند مفردات بعينها في النص محكوماً برؤية، حدودها في حدود علاقاتها داخل النظام اللغوي. فالكلمة وحدها لا تحدد دلالتها، إنما نظام العلاقات هو الذي يحدد تلك الدلالة"().

إننا بتأملنا لهذا النص القرآني نجده مستخدماً لفعلين مختلفين في الدلالة.

الفعل الماضي، في قوله (ما ضل) (وما غوى) والمضارع في قوله (ينطق) (يوحى).
وبمتابعة دلالية للفعلين الماضيين نجدهما ينفيان نفياً قاطعاً من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضال أو غاوٍ. وفي الوقت نفسه ينتهي مفعول الصفتين بانتهاء وظيفة الماضي الدلالية.

غير أن السياق الذي وُظِّف فيه المضارع، لا يجعل منه مضارعاً دالاً على الراهنية المبتورة العلاقة مع الزمنين الآخرين (الماضي. المستقبل) بل إن فعل (ينطق) يشحن النص بفيض دلالي استمراري استمرار فعل الوحي. لا ينتهي، لا يتوقف، ما دام الوحي ينزل. والأمر نفسه ينطبق على فعل (يوحى).

يشكل هذا النظم الموجز البديع (الذي يظهر في المقاطع العشرة) دلالة تركيبية تتخذ منحنى دلالياً – في بداية النص في اتجاه الأسفل من المقطع الأول ]والنَّجْمِ إِذَا هَوَى[ إلى المقطع الثالث ]وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى[ يتمثل في نفي بعض الصفات عن الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة انحنائية من نقطة أ إلى ب، الأمر الذي يجعل السرد الدلالي يسير وفق ظاهرة النفي هذه ويتحسسها.

وسيبقى كذلك مستمراً، لأنه سيق على دلالة المضارع المستمر.

إذن بين دلالة الماضي ودلالة المضارع يظهر السرد الإيقاعي منسجماً يحقق وتيرة إيقاعية اطرادية، هي أيضاً تجسد تلاحق واستمرار فعل الوحي، وذلك في المقطعين:
]وما يَنْطِقُ عنِ الهَوى[ ]إن هُوَ إلاَّ وحيْ يُوحَى[

ويتشكل الإيقاع السردي في الألف المقصورة بصورة واضحة، وما تحدث من صوت متتابع ذي نفس متواصل تواصل فعل الوحي. ويستمر هذا التشاكل الإيقاعي في المقاطع الستة الأخرى والتي هي أيضاً إثبات مطلق من أن هذا، وحي يوحى.

إن المقاطع الأربعة ينضاف إليها مثيلاتها الستة هذه، ذات مخزون دلالي كل مقطع فيها يحمل قيمة دلالية، وكل إيقاع فيها يفترض أن تكمله إيقاعات سردية أخرى بشكل متجانس، يمثل في نهاية المطاف إنتاجاً دلالياً عبقري النسج.

وتبقى الياءات تشكل فضاء سردياً رحباً ينتهي بتكوين صدى عجيب، يرافق هذه الإيقاعات محدثاً لصوت كوني رجعي يتردد في الأعماق ليقرّر حقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم وسلامته من الضلال والغواية والنطق عن هوى في نفسه.

تبدأ الإيقاعات اليائية هكذا:

هوى. غوى. هوى. يوحى. القوى. فاستوى. الأعلى. فتدلى. أدنى. أوحى.
ثم هكذا: وى. وى. وى. وى. وى. وى. لى. لى. نى. حى.

ثم تتلاشى الحروف لتبقى الياء وحدها تتردد في الأفاق. ى. ى. ى. ى. ى. ى. ى. ى. ى. فكأن هذه الياء. هذا الصوتي اليائي المفعم بالدلالات والتقريع، هو الذي منح المضمونية العميقة للفظ الذي يجزم في نهاية الأمر أن محمداً على هدى من ربه ورشاد.

هذه المقاطع العشرة تتربع على محورين أحدهما فاعل والآخر منفعل.

فالمحور الفاعل هو المقطع الأول المتبدى في (والنَّجْمِ إِذَا هَوى) والمحور المنفعل هو المقاطع الأخرى.

ويمكن تمثل ذلك بهذا الشكل:
المحور المنفعل
ما ضل صاحبكم وما غوى
وما ينطق عن الهوى
إن هو إلا وحي يوحى
المحور الفاعل علمه شديد القوى
ذو مرة فاستوى
والنجم إذا هوى وهو بالأفق الأعلى
ثم دنا فتدلى
فكان قاب قوسين أو أدنى
فأوحى إلى عبده ما أوحى

وبين المحورين تظهر البنية السردية وفاعليتها والقيمة الجمالية لها، ويتضح دور الإيقاع السردي في تنشيط السياق القصصي الذي تمت به المقاطع العشرة من سورة النجم. ويتجلى الخط المائل (شكلاً ومضموناً) من المقطع الأول إلى المقطع الأخير.

وما توصلنا إليه في سورة النجم في مقاطعها المدروسة، نتوصل إليه ثانية، كلما رمنا قراءة كامل السورة ذات اثنين وستين مقطعاً. فلا شك أننا سنجد أنفسنا أمام شطرة واحدة أو فونيم واحد وهي بالتالي "تخلو من التقفية والوزن والتشطير، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كل حرف فيها، من أين؟ وكيف؟ سر من أسرار المعمار القرآني لا يشاركه فيه أي تركيب أدبي"().

وعسى أن يكون هذا ما جعل السردية القرآنية تمضي على وتيرة إيقاعية اطرادية واحدة طيلة ستة وخمسين مقطعاً بدءاً من ]والنَّجْمِ إِذَا هَوَى[ وانتهاء بـ ]هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذرِ الأُوَلَى[().
فالواقع أن الشكل والمضمون –في هذه السورة- يسيران مترنمين في توازن سردي واحد ونظام إيقاعي مطرد، الشيء الذي جعلهما يشكلان وحدة روحية عجيبة (مبنى ومعنى) توقِفنا في وجل واستعظام لنقول: إنه السرد الإيقاعي.


يُـــــتبع إن شــــــــــــــــــاء الله.
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#37  مشاركةبواسطة KHOLIO » الاثنين إبريل 20, 2009 2:34 pm

ثانياً: السرد الإنشادي

إن السرد الإنشادي يتمظهر عبر النص القرآني بتمظهرات مختلفة. فهو عبارة عن قصة منسوجة تسرد إما كاملة وإما مبتورة لغاية ما، وتتخللها لازمة تتردد بطريقة اطرادية.

غير أن هذه اللازمة ألفيناها تساق لغايات معينة، لعل أهمها:

أ-كونها تشير إلى تجديد المضمون

ب-تعد متنفساً يخلد فيه القارئ لتجديد نَفَس المتابعة

جـ- تضفي على القصة مسحة جمالية رائعة.

ولعل –في القرآن- ما يجسد هذه الخصيصة، إذ تظهر بوضوح في سورتي الرحمن، والمرسلات*.

إن اللازمة القرآنية مظهر لغوي ينهض على التكرار البلاغي الهادف، بحيث إذا نظرنا إليها مستقلة اغتدت تكراراً، وإذا نظرنا إليها تابعة لما قبلها وما بعدها- كما سنوضح لاحقاً- فهي ليست تكراراً وما ينبغي لها.

إن ما أطلقنا عليه السرد الإنشادي، نجده حاضراً بكثافة في البنية القصصية، ونجده تبعاً لذلك ملازماً لمقطوعة تتكرر طردياً، وهي ما اصطلحنا على تسميتها باللازمة القرآنية أو المرتكز السردي. وهي تظهر في السرد القرآني عبر القصة القرآنية على هذا النحو:

1-في سورة هود*: تكون على هذا التشكيل. وإلى؟ أخاهم؟. وتتكرر مع هود، صالح، شعيب. بصورة تامة ويتخللها قصص نوح، إبراهيم، لوط، شعيب، موسى عليهم السلام.

2-في سورة مريم*: تتسم بهذه الوتيرة: واذكر في الكتاب؟ إنه كان؟ وتتكرر مع إبراهيم، موسى، إسماعيل، إدريس، عليهم السلام.

3-في سورة الشعراء: تكون على هذا النحو ]إِنَّ في ذلكَ لآيةً وَمَا كَانَ أَكْثرُهُمْ مُؤْمِنينَ، وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزِيزُ الرَّحِيمُ[

نجدها تربط بين قصص لسبعة أنبياء هم: موسى، إبراهيم، نوح، هود، صالح، لوط، شعيب عليهم السلام.

4-في سورة النمل: تكون هكذا: أإله مع الله؟ تتكرر خمس مرات. وهي تتوسط سرداً سابقاً، وآخر لاحقاً يجسد عظمة الخالق، ويقوم على وتيرة قصصية.

5-في سورة القمر: ]وهي النموذج الذي ندرسه تطبيقاً للسرد
الإنشادي[.

العبارة المتكررة فيه هي: ]فكَيْفَ كَانَ عذَابِيَ وَنُذُرِ، ولَقَدْ يَسَرْنَا القُرآنِ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدّكرٍ[. يمرّ خلالها قصّ لأنبياء الله نوح، هود، صالح، لوط، موسى.

وبها يكون نسيج القص متواصلاً يربط هذه القصة بتلك في سرد محكم يصنعه هذا المرتكز السردي.

6-في سورة الرحمن: السرد الإنشادي هو: قوله تعالى ]فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِبان[ إن هذه العبارة، أضفت على النص القرآني الممثّلة فيه، هالة من الجمال الإيقاعي المعجز. فهي رغم ورودها إحدى وثلاثين مرة إلا أن القارئ لا يشعر برتابة أو تكرار مملٍّ، كلما رام قراءة هذه السورة التي قيل عنها عروس القرآن. وحسبها أن تكون كذلك.

هذا المرتكز السردي المكرر هو أشبه ما يكون بقائد الأوركسترا المتحكّم في الفرقة كلها، ولولاه لظلت القطعة السنفونية جامدة خامدة.

7-في سورة الواقعة: السرد الإنشادي المكرر هو: ]أَفَرَأْيتُمُ[ يأتي بعدها الاسم، أو (ما) الموصولة. تكرر أربع مرات. وهو أقصر سردية إنشادية في القرآن.

8-في سورة المرسلات: السرد الإنشادي –هنا- تجسده هذه الآية ]ويْلٌ يَوْمئذٍ لِلْمُكَذّبِينَ[ حيث تكررت عشر مرات. وبين كل عبارة إنشادية يتخلل مظهر من المظاهر الإلهية أو قصة ما. وبعبارة وجيزة، حديث عن عظمة الخالق في كل شيء "تكررت في سورة المرسلات عشر مرات، لأنه سبحانه ذكر قصصاً مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة: ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة. وكل قصة مخالفة لصاحبتها، فأثبت الويل لمن كذب بها"().

فلقد بلغ الترابط العضوي بين هذه الجمل الإنشادية العشر، حداً رائعاً يثير الإحساس ويفجر المتعة بالمدهش، ذلك "بأن مثل هذه السيرة الإيقاعية لم تحدث من القوة والتماسك والتوحد إلا في هذه الوحدة من النص، وهي إنما كانت من أجل تجديد النفس الإيقاعي في جملة"().

إذن السردية الإنشادية –كما لاحظنا- تظهر في كثير من سور القرآن الكريم.
وعسى أن يكون هذا ما قصده كمال أبو ديب حين سمى هذه الظاهرة بالتتابع الإيقاعي الذي هو "جزء من البنية الإيقاعية للشعر العربي وأنه تركيب إيقاعي يروق بعمق للأذن العربية، وينبع من المكوّنات الإيقاعية في اللغة، ويتبلور في تشكيلات إيقاعية كثيرة"().

النموذج المنتخب:

إن النموذج الذي انتخبناه تطبيقاً للسرد الإنشادي، هو قصة هود الموجودة في سورة القمر. وهي أقصر قصة قرآنية –فنياً- على الإطلاق.

تتشكل البنية السردية للعبارة المكررة في هذه القصة من ثلاث فونيمات:

] فَكَيْفَ كانَ عَذَابِيَ ونُذُر، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرآنَ لِلذّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدكِرِ[.

ومن الغريب أن مثل هذه اللازمة ترافق القص القرآني فقط، أما في السياقات العادية فلا لازمة توجد.

غير أن علة ذلك، فنية بحتة لأن القصة تنهض على السرد والسرد بدوره يحتاج إلى النفس الطويل، ولما كان جنس القصة يخضع للتنوع في الأحداث والشخصيات استلزم وجود اللازمة التي سيقت لأجل المحافظة على المدد السردي ولتضفي عليه جمالية نغمية، الأمر الذي جعل متعة متابعة القصة متجدِّدة. مثلُ هذا كمثل عميد الفرقة حين يقف كاللازمة ليشرف على المقطوعة الكلاسيكية التي تنطلق بوتيرة متنوعة لتتقاطع على إشارته المشكلة لعلامة “X”.

إن السردية الإنشادية، ربما تكون مجرد حيلة فنية يلجأ إليها النص القرآني لشد قرائه ولزرع المتعة في نفوسهم. وبهذه التقنية الحداثية يشرك القارئ في تجليات مكامن النص بدءاً بقراءته.
إن السرد الإنشادي في سورة القمر، يتكرر أربع مرات ويمر خلال خمس قصص لأنبياء الله: نوح، هود، صالح، لوط، موسى عليهم السلام.

تبدأ القصة كاملة هكذا: ] كذَّبَتْ قَبْلَهم قَومُ نُوحٍ، فَكذَّبُوا عَبْدَنَا وقَالوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ[ وتستمر إلى غاية ]ولقَدْ جَاء آل فِرعونَ النُّذُرُ[

ونجد المرتكز السردي متمركزاً بين كل قصة وقصة، فهو كالحبكة في الرواية.
وطبيعة أنه يعتبر جزءاً من مضمون كل قصة.

غير أنه لا يمكنني تفصيل هذه الظاهرة في القصص الخمس، بل اجتزئ ذلك في قصة واحدة منها، وأربطها باللازمة ليظهر السرد تلقائياً، ومن ثم خاصية الانشاد.

والقصة المنتخبة من سورة (القمر) هي لهود عليه السلام. وتظهر وحدها هكذا ]كَذَّبَتْ عَادٌ فكيفَ كان عذَابي وَنذُر، إِنَّا أرْسَلْنا عَلَيهم رِيحاً صَرْصَراً في يومٍ نحسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأنَّهم أعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ[ ).

فالمرتكز السياقي المفتاحي الذي يتأسس عليه السرد الإنشادي هو –فكيف كان عذابي ونذر- ولقد يسرنا القرآن لذكر- فهل من مدكر، قبل القصة وبعدها، وهو مرتكز مفتوح ينسحب على خمس قصص نبوية.

هذه القصة تتكون من إحدى وعشرين كلمة، وتتوفر على كل مقومات القصة الفنية. وقد تتفق إلى حد كبير مع ما أقرته دائرة المعارف البريطانية من شروط تميز القصة القصيرة (Short Story) وهي "وجود هيكل سردي/ شمولها على أسلوب وصفي جيد/ عدم الاستطراد في تصوير الحوادث استطراداً يخرجها عن الجو العام للقصة/ التشويق الذي يدفع بالقارئ إلى متابعة قراءة حوادثها في لهفة إلى النهاية"().

وهذه المقومات كلها متوفرة في قصة هود هذه.

غير أن وجود اللازمة في هذه القصة ذو قصدية تقنية نبرر وجودها فنياً، وذلك بالمحافظة على الإيقاع العام.

ولقد بررها الزمخشري –دينياً- وهو يتحدث عن التكرار بقوله "فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكاراً واتعاظاً، وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً، إذا سمعوا الحث على ذلك البعث، وأن يقرع العصا مرات، ويقعقع لهم الشّنّ تارات، لئلا يغلبهم السّهو، ولا تستولي عليهم الغفلة"().

وهو أيضاً تعليل فني يرقى إلى الحداثية، لأنه يركز على القارئ ويعمل على شده نحو القصة وإشراكه في متابعة أحداثها، لأنه ربما ينشأ عن هذا التكرار نوع من الملل، الأمر الذي يجعل الإيقاع يعمل على تبديده وتوزيعه. "سيؤدي (الإيقاع) إلى حدوث تطورات جوهرية في بنية التشكلات الإيقاعية، أحد أغراضها كسر الرتابة التي تنشأ من التكرار المطلق وخلق تنويع إيقاعي غنيّ"() ويمكن اعتبار هذا تبريراً فنياً آخر.

ولعل اللازمة هذه أو المرتكز الإنشادي، تعمل على إعلاء المضمون الوجداني المجسد في صيغة الأنا المحيلة على الله والبارزة في هذا المرتكز.

والحقيقة أن تكرار هذه اللازمة لم يكن لذاتها فقط، وإنما لما تحدثه هي من دلالات "على أن مثل هذه التكرارات وغيرها لا تقتصر وظيفتها على توليد الإيقاع بل هي تولّد دلالاتها فيما هي تُولّد إيقاعها"().

وبين التبرير الفني والديني فرق واضح، لأن التبرير الديني ينسجم مع كل القصص القرآني. وأجدني إلى التبرير الفني أميل، لعلَّة أن القرآن غايته الفن وهدفه الجمال، وربما كانت متعة القارئ القرآني-لهذه القصة ومثيلاتها- بالقيّم اللغوية وعذوبة السّرد وجمال التكرار أكثر وأعمق، من متعته بالفكرة المراد توصيلها.

وما يدعم ذلك هو تواتر سور القرآن على إيقاعات مختلفة، ما نبرح ننتهي من أحدها حتى يطالعنا إيقاع آخر يضاهي الأول ويلوّن السورة. وقد تكثر إيقاعات السورة الواحدة.

إن السرد الإنشادي في نموذجنا يتكرر مرتين، على هذه الوتيرة.

فَكيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ، فهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، قبل النموذج وبعده.
فهو بمثابة شريط متواصل متنام يشكل نسيجاً لغوياً بديعاً، مما يجعل الرؤية القصصية كثيفة. غير أن هذه الصورة لا تتغير بل تتعمق، كلما تكررت هذه اللازمة.

وتكرارها لا يكون اعتباطياً، وإنما لموقف معين، قد ينشأ عن مضمون القصة. بحيث يستوجب وجوده (التكرار) بوصفه خاصية مكملة لمضمون النص العام، و يكون عبارة عن موقف درامي أو نفسي أو فني "لأن التكرار له دلالة فنية ونفسية يدل على الاهتمام بموضوع… وإن كل عبارة فيها لفظ مكرر –ضمن مقطع كتابي أو في آية قرآنية- يكون حداً فاصلاً لموقف نفسي معين وتحمل –أي العبارة هذه- دفعة شعورية معينة متناغمة في وقع موسيقي مقسم ومتساوٍ مع لاحقاتها وسابقاتها"()

وهذا التشكيل نجده يميز قصة هود هذه، لأن العبارة السردية المكرورة ذات علاقة مع لاحقاتها من القصص وكذا سابقاتها. الكل يتلاحم في سردية موسيقية إنشادية كماً ونوعاً. "وأما من ناحية الموسيقى وترداد القوافي، فلا ضير ولا غضاضة من أن نصف القرآن بها، فقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، لسانٍ موسيقي تستمتع الأسماع بلفظ كلماته، وتخضع مقاطعه في تواليها لنظام خاص"().

غير أننا نجد السارد يضفي عليه بعداً سيميائياً بوصفه بنية لا تنفصل عن النواة الكلية للمعنى، بل هي تُسهم في خلق المعاني.

وفي هذا السياق فإن كل تكرار للأصوات هو أيضاً تكرار للمعاني. ومن ثمة فإن القيمة التشاكلية لهذه اللازمة، هي فيما تحدثه من إيقاعات مشتقة من جملة هذه الأصوات. لأن الإيقاع يرتبط بموسيقى الذات "فالإيقاع قديماً هو إيقاع البيت الواحد، والإيقاع حديثاً هو إيقاع كلي شامل"().
إذن. العبارة السردية مكونة من ستة فونيمات تم ورودها بتساوٍ وانتظام، قبل قصة هود وبعدها بستة وحدات، وفي القصة بثلاث.

هذه الوحدات التسع هي التي تشكل حجم النص.
والملاحظ أن حرف الراء هو المسيطر في هذه الشبكة الإيقاعية.

إذن. مقاطع القصة تتكرر ثلاث مرات.

ومن الواضح أن بناء هذه الفونيمات، إنما جاء قصد صفة الترداد الكامنة فيه، هذا بالنسبة للفونيم. أما بالنسبة لحرف "الراء" فإنه تواتر ست مرات في نهاية السرد الإنشادي، وتكرر في القصة ثلاث مرات.

ورد في اللازمة الأولى ثلاث مرات /ورد في القصة ثلاث مرات/ ورد في اللازمة الثانية ثلاث مرات حرف الراء هذا يتكرر من بداية سورة القمر إلى نهايتها، والعلة ألسنية طبعاً، لأن حرف الراء حركي مضطرب تردادي، الأمر الذي جعل إيقاع هذه السورة تردادياً (إنشادياً)، وذلك لما له من علاقة مع حرف الراء لأن "الإيقاع يعني التدفق أو الانسياب، وهذا يعتمد على المعنى أكثر مما يعتمد على الوزن، وعلى الإحساس أكثر من التفعيلات"() .

وبمقتضى هذا، تتشكل بنية القصة من تفاعل ثلاث جمل مكوّنة هي:

أ- ]كذَّبَتْ عَادٌ فكَيْفَ كَانَ عذَابِي وَنُذُرِ[

بـ- ]إِنَّا أرْسَلْنا عَلَيْهم ريحاً صَرْصَراً في يوم نحسٍ مُسْتَمرٍ[

جـ- ] تَنـزِعُ النَّاسَ كأنهمْ أَعْجَازُ نخلٍ مُنْقَعرٍ[

وثلاث جمل أخرى مُكمِّلة، تقع قبل القصة هذه، ومثيلاتها تقع بعدها وهي:

أ‌- ]فكيفَ كانَ عذابِي ونُذُر[

ب- ]ولقدْ يسرَنَا القرآنِ لِلذكِّر[

جـ - ] فهلْ مِن مدَكَرٍ[

وهي تظهر بهذا الشكل: (أ، بـ، جـ) مكملة + (أ، بـ، جـ) مكوِّنة + (أ، بـ، جـ) مكملة.
وما يمكن ملاحظته هو أن الوحدات الثلاث، هي التي تشكل البنية الإيقاعية للقصة، وذلك من تنامي وتفاعل هذه الوحدات جميعها، ولا يمكن أن تفهم وحدها إلا بتداخل مع ما قبلها وما بعدها.
وفي هذا السياق يقول أحدهم "وهكذا يكون تطور الإيقاع فاعلية بنيوية تنبع من شبكة العلاقات المتكونة ضمن البنية… ويستحيل فهمها أو تفسيرها إلا من خلال هذه البنية الكلية"().

إن هذه البنية الكلية تظهر –هنا- في تجمع الوحدات الثلاث، ينضاف إليها اللازمة.
وبتفاعل الوحدات الثلاث، ألفينا حرف الراء يتكرر في الجملتين المكملتين عشر مرات، وفي الجملة المكونة سبع مرات. وبعملية حسابية نجده قد تكرر 17 مرة في هذه القصة.

على صعيد أعمق نجد دلالة حرف الراء تنبعث من كل وحدة من الوحدات الثلاث.
ففي الوحدة الأولى (المكمِّلة) مثلاً تنبع الراء خمس مرات والتي هي حرف ذلقي مشحون بدلالة حركية تماوجية.

ففي مقطع ] فَكيفَ كانَ عذَابي ونُذُرِ[ نجد هذا الأسلوب التعجبي يعمل على تصوير حركة القوم وهم يعذبون.

أما مقطع ]ولقَد يَسَّرْنَا القرآن لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مدكرٍ[ فنتحسس فيه حركة. ألا ترى أن في تيسير القرآن وتبسيطه وتسهيله حركة، وفي دعوة الناس إلى قراءته ومدارسته وأخذ العبرة منه تنشيطاً لذهنيتهم وإعمالاً لفكرهم؟ أليس في كل هذا حركة؟

وفي الوحدة الثانية والتي تكوِّن لب القصة تتكرر الراء سبع مرات. فعلى صعيد الشكل نجد البعد الحركي يتنامى ويتصاعد ليتحد مع المضمون، وتكون الحركة فيه منبعثة من الداخل والخارج.
من الخارج يجسدها حرف الراء المكرر في المقاطع الثلاثة، ومن الداخل نتلمّسها في حركة الريح الشديدة الصوت والتي يسمع صوتها من خلال كلمتي (صرصرا) و (مستمر) ممزوجة بفعل الريح التي تجتث الناس وتقذف بهم إلى الأرض، كأنما هم بقايا نخل مرمية. فلقد "تآزرت مع المعنى تلك الأصوات التي تنبعث من الراء ذي الصوت الطارق المتكرر"().

فالملاحظ لمقاطع الوحدات الثلاث يجد المعمار الفني يشي بالموقف التنكيلي الذي سلطه الله على قوم عاد، كما يرسم صورة فونيتيكية مزدحمة جُنِّدت فيها أصوات الصفير (ص، س، ز) ليتلاقح المعمار مع الحدث التعذيبي في رحلة جنائزية رهيبة.

ولعل السرد الإنشادي يكون قد أدى "دوره كاملاً غير منقوص، يلين ويشتد، يهدأ ويهيج، ينساب انسياباً كاملاً كالماء أو يعصف عصفاً كالريح الصرصر وفق المقام"().

غير أن هذا الاضطراب وهذه الحركة، نجدها ترتسم على سطح النص في إيقاعية إنشادية تطغى على بنية النص في وحداته الثلاث، الشيء الذي جعل السرد يسير في عفوية وانسياب.

وعسى أن تكون ظاهرة الارتكاز على حرف الراء –في هذه القصة- مسألة جارية على كل السورة في وتيرة واحدة، الغرض منها المحافظة على الفاصلة القرآنية من وجهة، والتماشي مع إيقاعية النص من وجهة أخرى. آية ذلك أن "النخل" نجد السارد يؤنثه في سورة (الحاقة) بقوله ]نَخْلٍ خَاوِيَةٍ[ وذلك مراعاة للفاصلة القرآنية، لأنها تنهض على سيرة إيقاعية واحدة يمثلها حرف (التاء المربوطة).

على حين نلفيه –هنا- قد ذكّر النخل بقوله ]نَخْلٍ مُنْقَّعرٍ[ ليتناسب مع إيقاع السورة الذي يقوم على حرف (الراء).

وفي نهاية السورة نجد المقطع الأخير يقوم على إيقاعية الراء ]إِنَّ المُتقينَ في جنَّاتٍ ونَهَرٍ، في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[ والغرض من ذلك تحقيق السجع الذي هو لون من الموسيقى اللغوية.

وفي هذا السياق جاء هذا القول "إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى ]في جَنَّاتٍ وَنَهرِ[. قال الفراء: الأصل أنهار وإنما وحِّد لأنه رأس آية"(). لأن حرف الراء ظهر إفرادياً من بداية السورة، الشيء الذي جعل منظومة النص القصصي تخترق قاعدة صرفية، بغية تحقيق الانسجام الإيقاعي الذي عليه كل السورة، فبدل جمع كلمة (أنهار) أفردتها. لأن الاحتفائية القرآنية تكون للجمالية التي يعرضها النص، ولا تحفل بالجانب الصرفي أو النحوي على حساب الجانب الفني. من هنا اغتدى الإيقاع –في السرد القرآني- أكبر من الصرف.

فإذن. التكرار تم في تسعة مقاطع في قصتنا القصيرة، ومع ذلك حافظ على إيقاع السورة العام. ولعل ذلك راجع إلى إعجازية النظم القرآني بحيث فيه "تختلف الألفاظ ولا تراها إلا متفقة، وتفترق ولا تراها إلا مجتمعة، وتذهب في طبقات البيان وتنتقل في منازل البلاغة وأنت لا تعرف منها، إلا روحاً تداخلك بالطرب وتشرِّب قلبك الروعة"().

ونحن –رغم التكرار الذي يشي به السرد الإنشادي- لا نجد إلا عذوبة ومتعة، كلما رمنا إلى القراءة، على حين لو كان الأمر متعلقاً بنص أدبي وضعي، لداخلتنا الرتابة سواء علينا أشعرنا أم لم نشعر، لأن "العقل لا يمكن أن يتقبل أصواتاً متتابعة بانتظام دون أن يضفي عليها نوعاً من التجمع في وحدات، إذا لم تكن الأصوات تنتظم في مجموعات واضحة تلقائياً منذ البدء"().

فأصوات هذه الآيات المكونة لقصة هود، نجدها منتظمة منذ البدء. ولكن العجب يكمن في كون العبارة المكررة طويلة، ومع ذلك حافظت على النسق الإيقاعي وأحدثت توازناً صوتياً، وذلك بإقحام حرف الراء الذي كان يحكم هذا التوازن لأن "التوازن الصوتي وحده جيد، ولكن أجود منه أو أكمل له أن تكون صورة التوازن تامة باشتراك حرف واحد في فواصل كل وحدة"().

فالحرف المشترك في فواصل كل وحدة، هو حرف الراء. وعبر حركة الراء في نفسه –بوصفه حرفاً تردادياً- وحركيته ضمن المقاطع، تتشكل البنية الإيقاعية الإنشادية التي تظهر في اللازمة بشكل جلي.

إن هذه الإنشادية الإيقاعية المتسامية نجدها تنتظم سورة القمر بفواصلها الرائية. إنه تقاطع تماثلي على مستوى الفاصلة (للذكر، مدكر، ونذر) المعربة خلال المرتكز السردي، وعلى مستوى الدلالة التي يشي بها النص في هذا الموقف التعذيبي.

غير أننا –وبقراءة استكشافية واعية لمقاطع القصة- توصلنا إلى بعض الملاحظات، نذكر بعضاً منها:

الملاحظة الأولى:

إن السرد الإنشادي (المرتكز السردي) أكبر من مقاطع القصة عدداً وإيقاعاً، الأمر الذي يدفعنا إلى القول:

إن جمالية القرآن تظهر في نظمه، فالاهتمام هنا ليس منصباً على مضمون القصة بقدر ما هو متسلط على كرم إيقاعها وجودة تركيبها، فبالرغم من طول بنية السرد الإنشادي، إلا أنها لم تؤثر على بنى القصة ككل وهذا حال النص القرآني "ومما انفرد به القرآن وباين سائر الكلام أنه لا يخلق على كثرة الرد وطول التكرار، ولا تمل منه الإعادة، وكلما أخذت فيه على وجهه الصحيح، فلم تخل بأدائه، رأيته غضاً طرياً، وجديداً مونقاً وصادفت من نفسك له نشاطاً مستأنفاً وحسّاً موفوراً، وهذا أمر يستوي في أصله العالم الذي يتذوق الحروف ويستمري تركيبها، ويمعن في لذة نفسه من ذلك، والجاهل الذي يقرأ ولا يثبت معه من الكلام إلا أصوات الحروف"().

فلو طلب إلى القارئ المتذوق للمتن القرآني أن يقرأ هذه القصة- مجتزأة من مجموع قصص سورة القمر كلها، ينضاف إليها اللازمة المكرورة مرتين –للاحظ أن السرد فيها إنشادي بحت. ومرد هذه الملاحظة إلى الاحتكام للقراءة القرآنية التي هي "ظاهرة مهمة جداً تكون الوحيدة التي احتفظت بخصائصها الإيقاعية عبر القرون ونفترض هنا أن قراءة القرآن جسدت إما النبر اللغوي في خصائصه العامة أو النبر الشعري، لكننا نعرف أن العرب أحسوا أن القرآن لم يكن شعراً حتى حين ورد موزوناً… يبقى احتمال كون نبر القرآن اتحد بالنبر اللغوي"().

الملاحظة الثانية:

هي أن ميزة حرف الراء، الترداد والتكرار. فكأن هذا الحرف جيء به ليساهم في السرد الإنشادي الذي ميز قصص سورة القمر كلها، والذي –في جوهره- عبارة عن حركة وترداد.

الملاحظة الثالثة:

هي أن في خضم هذا القص المتراس بروزاً كاملاً لهذه السردية الإنشادية "وفي كل هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماماً… وكأنها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير، سوى أن لها مصدراً آخر غير ما نعرف"().

غير أن السرد الإنشادي يكون واضحاً وجلياً، إذا تليت سورة القمر جماعة، على أن يتكلف أحد أفرادها بتلاوة القصص فقط، ويترك أمر اللازمة للجماعة ترددها جهارة بشكل تزامني تنطلق فيه الأصوات في لحظة واحدة.

] فكيفَ كَانَ عَذَابِيَ ونُذُر، وَلقد يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَكر[

فمما لا شك فيه أن النفس الإنسانية –يستوي فيها السامع والمقرئ- تتهادى إلى أسماعها أصوات تبتلية ترتيلية تقرع الضمائر وتُؤْسِر النفوس وتحرك الوجدان، بما أوتيت من فواصل رائية "تساعد على ترجيع الصوت، وتهادي النفس آناً بعد آن إلى أن تصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى"().

وحين ذاك يبدو للوهلة الأولى أن السرد فيها إنشادي.

ولعل هذه الإنشادية القرآنية يكون قد استفاد منها بعض رواد الشعر الحر، لأننا ألفينا "الشاعر الحر يقيم هذا البناء الإيقاعي غير ملتزم إلا بشيء واحد: طريقة معينة في تتابع المقاطع يمكن أن تتلاءم مع ترداد الأنفاس عند الإنشاد"(). ولا تسترد الأنفاس إلا في مثل هذه الإيقاعات التي أطلقنا عليها مصطلح السرد الإنشادي.


يــُتبع إن شــــــــــــــــــــاء الله..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#38  مشاركةبواسطة KHOLIO » الثلاثاء إبريل 21, 2009 10:01 am

ثالثاً: السرد الدائري

1-المصطلح بين الأصالة والاتباع:

إن مصطلح السرد الدائري لا يكاد يكون معروفاً –بصورته هذه- إلا عند الحداثيين الذي استهوتهم هذه الحداثة وتشرّبتهم، فلا ينفكون يتحدثون عنها في الكتب والمقالات المتفرقة هنا وهناك.

ولعل علة هذا العشق في زمن قزم التراث، راجعة إلى كتب النقد القديمة التي لم تحتف لمثل هذه المسميات النقدية. بل كان كل الهم منصباً على البلاغة وفن القول، فلا نعلم فيها شيئاً ذا بال وظف بعناية كما هو الحال في الدراسات النقدية المعاصرة.

غير أن هذا الانعطاف النقدي الجديد المسجل على مستوى الحداثة كانت وجهته غربية خالصة.
وفي هذا السياق يقول أدونيس: "وكما أننا نعيش بوسائل ابتكرها الغرب، فإننا نفكر بـ "لغة" الغرب: نظريات ومفهومات ومناهج تفكير ومذاهب أدبية… الخ...ابتكرها هي أيضاً الغرب"().

إن ما يشي به هذا الموقف هو تجريد الذهنية العربية من الإبداع والتأصيل تحت راية الحداثة. والحق هو ذاك.

فما كان من تنظير أو دراسات عربية تلامس النص في نواح نقدية تتماس والحداثة الغربية، فما هو إلا اتباع أو نسج على المنوال.

ولعل ما يشفع لهذه الدراسات، هو كون معظمها اعتمد نصوصاً تراثية خالصة منتقاة نماذج تطبيقية لما وصل إليها بالاتباع.

وما يبرّر نزعة الاتباعية أيضاً، هو أن النصوص التطبيقية كانت من كل عصور الأدب العربي، وأيضاً كانت في مجالات شعرية ونثرية.

غير أن هذا يدفعنا إلى إثارة أو تكرار تساؤلات ترد إلى الذهن، كلما ذكرنا قضية الأصالة والتفتح.

فهل نُقبل على الحداثة الغربية بكلياتها، بصرف النظر عن معطياتها التكوينية المختلفة التي أفرزتها؟ أم هل نبحث في تراثنا الأدبي ثم ننطلق في تماسية نقدية من شأنها مقاربة الإبداعات الحداثية في الفكر الغربي؟ أم هل نبحث عن الجذور التأسيسية التأصيلية في تراثنا الأدبي، ثم نعمل على التبني والتطوير؟

ونحن إذ نفعّل السؤال ونبسط الرأي، لأننا متأكدون أن تراثنا الأدبي معطاء قادر على التأصيل والسبق. وما أكثر لغوييه ومؤوليه من أمثال عبد القاهر الجرجاني وابن الجني وابن قتيبة والقرطاجني وغيرهم كثير. إلا أن حقيقة السؤال تنبني من حيث انتهى هؤلاء. فهل هناك خلف يحمل راية السلف ليكمل المسيرة؟ ولعل هذه هي الحداثة الحقة الضائعة في متاهات الانبهارية والإعجاب بكل ما هو قادم من فضاءات الإبداع الغربي.

ونحن لا نجيب عن تلك التساؤلات ما دام التراث العالمي ملكاً للإنسانية جمعاء.
غير أن إثارة قضية التراث –في حد ذاتها- تمثل تنويراً فكرياً ينم عن مستوى حضاري خلاق، ذلك أن محاولة الفهم الصحيح لمعادلة الحداثة والتراث، ما هي إلا نوع من السعي لتحقيق وثبة نوعية تعمل على تفعيل المعاصرة في التراث.

إن التراثية إلزامية حضارية تسهم بصورة أو أخرى، في تشكيل الذهنية الأدبية الموصولة بها، بل تمثل أحد مصادر إلهامها، الأمر الذي يجعل مسألة التخلص من عقدة التراث ضرباً من الخلط وجنساً من التهور.

فالأديب أو الباحث لا يستطيع أن ينسلخ عن جلده وما ينبغي له. لأن كثيراً من المعطيات البحثية ما هي إلا ترسبات ناتجة عن خلفية تراثية طرحت نفسها على صعيد إنتاجاته الحداثية بوعي أو بدونه. فالباحث مهما كان تواقاً إلى التجديد ومهما كان متحمساً لكسر تلك التقاليد الفنية، وما له صلة بالموضوع الذي يعالجه، فإنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلاً، لأن سلطة التراث أكبر من أن تتجاوز مهما كان حجم المغامرة الفنية المحمولة في ذهن الباحث.

لأن "القول بأن كل شاعر مجدد هو الذي يقطع كل آصرة تربطه بتراثه السابق وبالتقاليد المستقرة للنوع الذي يمارسه، إدعاء خطير يصدر عن قدر عظيم من الرومانسية الفكرية"().

وبمقتضى ذلك، فإن المشروع فعلياً، هو أن نعود إلى تراثنا أولاً، للبحث والاستقصاء والغربلة، ثم إلى تراث إقليمي أو عالمي آخر ثانياً، للإفادة منه وتفعيله في إنتاجاتنا الأدبية والنقدية على حد سواء. ولا ينبغي أن تكون علاقتنا مع الحداثة علاقة إعجاب وانبهار لأن هذه المسألة "مشروطة بالفعل المعرفي لا بالانفعال الذاتي"().

وعسى أن تكون العطاءات التراثية في أدبنا العربي قمينة أن تمدنا بما يناسب تطلعات العصر الذي نحيا.

وفي سياق هذا، نجد الدكتور عبد الحميد جيدة –وفي معرض حديثه عن الرافد التراثي الذي أثر في القصيدة الجديدة- يشير إلى أن للقرآن فضلاً على ظهور القصيدة الحرة فيقول: "ولذا نرى الروافد الإبداعية الأصلية في التراث تلوّن الشعر العربي المعاصر بأضواء مختلفة، ويأتي القرآن الكريم في الدرجة الأولى"(). ذلك لأن لغة القرآن أدبية خالصة أو اللغة الخالصة كما يسميها جاك دريدا بقوله: "إن اللغة الخالصة التي تتطلع إلى احتضان الأدب الخالص هي موضوع النقد الأدبي الخالص"().

ثم أيضاً لما يتمتع به المتن القرآني من خصوصيات تركيبية دلالية وسردية تؤهله لأن يكون في مقام التأصيل والتأسيس. ولك أن تنظر إلى "حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بياناً قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدي لك من كل معنى صورة نقية وافية"().

وفي سياق الاستفادة من المتن القرآني، نجد هذا واضحاً منذ ظهور هذا النص المقدس، لأنه كان بمثابة نموذج فنيٍّ "حطّم النماذج الفنية السائدة في ذلك الزمن، وخلق زمن القرآن الفني، الذي هز النفوس وأدهشها بتعابير وصياغات جديدة، لم يعرفها العربي من قبل ولم يستطع أن يأتي بمثلها، لأن لغته مستهلكة وتعابيره مستهلكة فتعلق العربي بالجديد الذي أتاه فسحره وأخذه وأدهشه"().

غير أن هذه المفاعلة التي أحدثها المتن القرآني، بوصفه نصاً إعجازياً زاخماً بالدلالات الكونية واللغوية والإنسانية ذات العمق الحضاري البعيد، تنبجس منه استشرافات التطلع الحضاري الفعال، في معطياته المختلفة، العاملة على نقل الذهنية العربية وإخراجها من ترسباتها المتنوعة لمعانقة النص الإلهي بدءاً بذهنية العصر الجاهلي، إلى تعاقب العصور اللاحقة لتبقى موصولة بالإحساسات الجمالية الفطرية التي أكسبها إياها هذا النص المقدس الذي أحدث "انقلاباً في الأدب العربي بتغييره الأداة الفنية في التعبير، فهو من ناحية قد جعل الجملة المنظمة في موضع البيت الموزون وجاء من ناحية أخرى بفكرة جديدة أدخل بها المفاهيم وموضوعات جديدة لكي يصل العقلية الجاهلية بتيار التوحيد"().

فالواقع أن الحداثة –بكلياتها الحضارية والجمالية- تبدأ من لحظة التنزيل، اللحظة التغيير ذات الأبعاد الآفاقية المبطّنة بمستقبل هلامي مشرق، اللحظة القطيعة، الأمر الذي جعل بعض الشعراء يقلع عن قول الشعر، والشيء الذي كان أيضاً سبباً في ظهور المعارضة القرآنية* التي هي منافسة إيجابية من منظور نقدي.

ولقد استمرت هذه الاستفادة الأدبية والنقدية من حقل المتنية القرآنية إلى عصور لاحقة. وحتى في المجال الشعري ألفينا بعض الشعراء منجذباً إلى النص القرآني واعتباره النموذج المحتذى فيقول:

"وذوو المنابر والعساكر والدساكر والحضائر والمدائن والقرى.
وذوو المواكب والكتائب والنجائب والمراتب والمناصب في العلى"().

غير أن الاحتذاء أو التماسية القرآنية لم تتجاوز حدود تركيب قرآني واحد.

"وكل الاعتبارات الفنية التي بدأت منذ القرن الرابع الهجري والتي كانت تقوم بدور مهم في نظرية الإعجاز، قد بدأت من تفهم الأسلوب القرآني، ولم تذهب إلى ما وراء التحليل الشكلي البتة"().

ولعل رواد شعر التفعلة يكونون قد استفادوا بوعي من القرآن الكريم "أما الشعراء المعاصرون فكان لهم حظ أوفر في استمدادهم من هذا الرافد"(). لأنهم يرون فيه النموذج.

فهذا أدونيس نجده يتمرس على الجملة القرآنية بقوله:

"ننحني، نتوتر، نتفاعل، نتقاطع، نتحاذى
أنا لباس لك وأنت لباس لي"().

غير أن استحضار أدونيس لهذه الآية، لم يكن اعتباطياً أولئك الذين يقتبسون من القرآن دونما قصدية فنية، بل لما في هذه الجملة القرآنية من خروج عن مألوفية اللغة الشائعة إلى فضاء تحسسي متصاعد من الداخل. فنحن نتحسس في هذه الآية تعبيراً سردياً سيميائياً يتطلّع للغة المجازية، الشيء الذي أدهش أدونيس حين وظفها بوصفه شاعراً وحين عللها بوصفه ناقداً إذ يقول "فهي تسمي شيئاً باسم شيء آخر يختلف عنه: إنها تغيير الوظيفة العادية المنطقية للغة، أي تغيير طبيعة اللغة ولا نقدر أن نفهمها إلا إذا نظرنا إليها من منظور غير عادي وغير منطقي"().

إلا أن سر إعجاب هؤلاء المعاصرين بالمتن القرآني يفسره التصعيد التوظيفي للغة من وجهة، وتلك التعتمة الجمالية في القصدية الإفهامية من وجهة أخرى، الأمر الذي جعل التجانس متوفراً بين الشعر المعاصر والنص القرآني. هذا ما ترك النموذج القرآني يحظى بعناية فائقة من قبل الدارسين المعاصرين.

وفي هذا التوجه يقول أحدهم "إن هذه النماذج التي تدل في صلبها عن المصدر القرآني الذي فجّر منه الشاعر ما يعنيه في موقفه الشعوري ليست إلا صورة صريحة نسبياً من صور العلاقة التي تربط الشاعر المعاصر بالنص القرآني"().

إن نموذج السرد الدائري يتموضع بكثافة في الآثار السردية النثرية، ويقابله –في الشعر- ما يعرف بالتدوير الذي هو "ما اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني، كما في بيت المتنبي:

أنا في أمة تداركها الله * * * غريب كصالح في ثمود

ولقد عرف القدامى هذه الظاهرة، وانتبه إليها نقادنا الخريتون. من ذلك ابن رشيق حيث أشار إليها بقوله "والمداخل من الأبيات ما كان قسيمه [الأول] متصلاً بالآخر غير منفصل منه، قد جمعتهما كلمة واحدة. وهو المدمج أيضاً"().

وعسى التدوير أن يكون حاضراً في الآثار السردية النثرية بصورة خاصة، لما له من جمالية تشكيلية تعمل على تنميق النص، ولما له أيضاً من علاقة مع مضمونه، الشيء الذي جعل الساردة الروائية مكاناً خصباً له، ينشأ في أحضانها ويتصل بنصيتها، وفي ذات الآن يصبح مرتبطاً بقضايا النص المحمولة عليه.

إن استخدام السرد الدائري أو المقاطع المدورة يكاد يصبح "ظاهرة شاعت في الشعر المعاصر، ولعل أول من استخدمها في مصر بشكل لافت هو صلاح عبد الصبور في ديوانه (أشجار الليل)"().

تتبدى هذه السمة الفنية حينما يظهر الشكل والمضمون كلاهما انسجاماً مع الفكرة المبدوءة من نقطة (أ) لتستمر طولاً أو قصراً لتجد نفسها مجدداً في أحضان(أ).

إن هذه السردية الحداثية نجدها متأصلة في القرآن بشهادة نقاد عظام تربوا في كنف الحداثة وأصبحوا منظرين لها. آية ذلك قول أدونيس "إن جذور الحداثة الشعرية العربية بخاصة والحداثة الكتابية بعامة كامنة في النص القرآني"()

ويضيف قائلاً "إن الدراسات القرآنية وضعت أسس نظرية جديدة لدراسة النص بل ابتكرت علماً للجمال جديداً"().

غير أن الذي يهمنا هو أن هذا الموقف يحيلنا على شهادة هذا الأديب الحداثي تجاه النص القرآني الذي اعتبره مؤسساً للحداثة.

وعسى أن يكون أدونيس الأديب المتميز بإنتاجاته الغزيرة في حقل الإبداعية الحداثية. وإنه لمن الأبجدية أن نقول: إن أدونيس لا يمكن أن يرسل آراءه، دونما اطلاع وانكباب على مدارسة المتن القرآني، الشيء الذي يجعلنا نتبنى آراءه ونعتبرها أحكاماً تأسيسية تعترف بقدرة النص القرآني على التمثل بل والتجاوز.

بالرغم مما قيل عن علاقته بالدين حيث وجدناه –وهو يعالج موضوع الحداثة- يقول: "كيف نواجه مشكلة الحداثة في المجتمع العربي؟ ولكن قبل ذلك، ما الشيء الباقي لنا كخصوصية مميزة؟ الدين والشعر. وحتى الدين والشعر لا بد من أن نتساءل حولهما: أي دين؟ وأي شعر؟"().

لنرجع إلى السرد الدائري في مجال القصة القرآنية التي تعتبر خزاناً ثرياً لمثل هذه السمات المتصلة بجمالية التشكيل النصي.

هناك نماذج سورية يقوم بناؤها على نظام الثنائية الدائرية، من ذلك مثلاً سورة (الرحمن) حيث يتكرر فيها السرد الدائري أو آية (البأرة*)؟! إحدى وثلاثين مرة، ويظهر في مطلع السورة وينتهي بها.

وبهذه التشكيلية يكون السرد قد تحرك في حلقة مدورة، يمكن فيها ربط النقطة الأولى بالأخيرة.

فالواقع أن الباحث المقارب للنص القرآني، يجد هذا النوع من السرد ماثلاً بوضوح ومستحوذاً على كل السورة (الكافرون- المرسلات- الرحمن)، أو في ثنايا السور الطوال.

*نموذج السرد الدائري في القصة القرآنية:

إن النموذج المعجز بحق هو ما وُظِفَ في سورة يوسف التي مطلعها قوله تعالى:

] الر، تِلْكَ آياتُ الكتاب المُبينِ، إِنَّا أَنْزَلْناه قُرآناً عَربيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقُلِونَ…[ ويمضي السرد حتى تواجهنا آية كالطود العظيم وهي ]نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصَصِ[.

ونحن نتساءل، ما المقصود بـ (أحسن)؟

هل في طريقة البناء؟ أم في الهيكل السردي؟ أم في توظيف الجنس بوعي؟ أم هل حسنها، يكمن في حسن بطلها؟ أم في سَوْقِ القصة مساقاً واحداً؟ أم ماذا؟

فإذن كلمة (أحسن) اعتراف إلهي يشي بوجود خصوصية تميز قصة يوسف، وتجعلها الأحسن.
وفي هذا السياق يقول الزمخشري "والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب"() ويتابع "فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه، لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها"().

وتبقى كلمة (أحسن) حكماً لا متناهياً يفضي إلى كل ما هو أروع إن على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون، الأمر الذي جعل الاختلاف بادياً في تحديد كلمة "أحسن" فالدكتور خلف الله مثلاً، يحصرها في جانب البناء بقوله "إن هذه القصة هي التي تمثل فن البناء القصصي في القرآن الكريم خير تمثيل، وهي التي تصدِّق الآية الكريمة الواردة في أولها ]نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَّصَصِ[ ().

ولعل الذي يؤكد أنها الأحسن، هي كونها تُرجمت إلى لغات عدة، كما كانت مصدر إلهام لبعض الكتاب حيث "كانت قصة يوسف مصدراً لعدد كثير من القصص التي كتبت أولاً باللغة العربية ثم نقلت إلى اللغة الإسبانية وبعد ذلك ترجمت إلى اللغات الأوروبية الأخرى، وأشار المؤلفون في هذه القصص بالشرف وبضرورة تمسك الرجل بمبادئ الوفاء والفضيلة وعدم خضوعه لإغراء المرأة"().

وفي هذا التوجه يضيف محمد كامل حسن "ومن أشهر القصص الخيالية التي ألفت في هذا العصر بوحي من قصص القرآن الكريم، قصة إسبانية عنوانها (أمادس دي جولا) (AMADIS DE GOLA) ثم نقلت إلى اللغة الفرنسية ثم إلى اللغة الإنجليزية.

وشخصية (أماديس) هي شخصية الرجل المتمسك بالشرف والعفة… وقد أُطلق عليه في النسخة الفرنسية (فارس ليون)"().

وحتى الشعراء كان حظهم أوفر من قصة يوسف، فراحوا يحكونها من بدايتها إلى نهايتها شعراً، ودخلت المتون الشعرية واستحالت إلى قصة شعرية. من ذلك أبو القاسم الفردوسي في عمله الشعري المعنون بـ (يوسف وزوليخا) وهي "أول منظومة حول قصة يوسف وزوليخا تصل إلى الأدب العربي من الآداب الإسلامية"().

وكذلك يوسف وزوليخا لعبد الرحمن الجامي. ثم قصة يوسف وزوليخا للشاعر التركي حمدي. وهناك "قصص خيالية أخرى استلهمت موضوعها من سورة يوسف عليه السلام، منها قصة لأحمد بن سليمان بن كمال باشا –وهو تركي أيضاً- وقد نظم هذه القصيدة في 7777 بيتاً من الشعر باللغة التركية النقية من الألفاظ العربية"().

إن معظم هذه القصائد –في مضمونها- تبدو متأثرة بقصة يوسف، غير أن بعضها خرج عن وتيرة ما جاء في القصة القرآنية الأصل. بل إن بعضهم أضفى عليها البعد الخرافي واعتبرها الأسطورة كالدكتور غالي شكري في قوله "الجنس في أسطورة يوسف استخدم للوعظ والإرشاد، وتغليب الخير على الشر"().

ويبدو أن شكري قد غلّب الفن على الحقيقة، حين اعتبرها أسطورة.

ولعل هذا التصور يكون مستمداً من التوظيف الشائع في الآثار الشعرية والنثرية، الأمر الذي جعله يسقطه على النص القرآني ناسياً أو متناسياً، أن القص القرآني حقيقة لا يماري فيها إلا مكابر عنود. وفي هذا يقول عز وجل
] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ منَ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك وَجَاءَكَ في هَذهِ الحقُ وموعَظِةٌ وذِكْرَى للْمؤمِنينَ[ ()

وفي قصة أصحاب الكهف يشير بقوله ]نَحْن نقُصُّ عليكَ نَبأَهُمْ بِالحقِ[().

إن توظيف الأسطورة ذو دلالة بنائية أو مضمونية يتطلّع إليها المبدع، ويعمل على تكريسها في المجال الذي يعالجه.

أما في النص القرآني، فما يصلح لهذا المنزع هو ما توحي به بعض المواقف القرآنية المتضمّنة خلال القص القرآني، من ذلك رمي سيدنا إبراهيم* في النار. ]قَالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُم إِنْ كُنْتم فَاعِلينْ، قُلْنا يَا نَارُ كَونِي بَرْدَاً وسَلاماً عَلَى إبْراهِيمَ[()

فالأديب قد يستغل عنصر النار ويوظفه في حدود لا تتعارض مع سنن ما جاء في النص القرآني.
ونجد نجيب الكيلاني يركز –في قصة يوسف- على عنصر المراودة ويتخذ منه قصة كاملة "إن القرآن الكريم قدم القصة الكاملة"().

وبهذه المواقف المتباينة يصبح كتاب الله كتاب فن مرة، وكتاب جنس أخرى.

غير أن الذي استصوبه من خلال جملة (أحسن القصص) ينحصر في موقفين:
أحدهما ديني، والآخر فني.

فالجانب الديني: كون النبي يوسف استطاع أن يصدَّ عنه إغراءات امرأة العزيز مع توفر كل عناصر ارتكاب الفعل المحظور. فالعفة والطهر والصمود جعلتها الأحسن.

أما الجانب الفني، فيظهر في كونها سيقت مساقاً واحداً –بالرغم من طول أحداثها- ومع ذلك لم يعتورها الفتور ولم يصل إليها الإسفاف. ولقد ظل السرد فيها متماسكاً والخلافات متراصة، كل حلقة تصب في الأخرى.

وهنا نتساءل. ما الحكمة في سوقها مساقاً واحداً وفي موضع واحد؟

ولعل الجواب يكون من وجهين:

أحدهما ديني، وذلك لما فيها من "تشبيب النسوة به، وتتضمن الإخبار عن حال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالاً، فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإغضاء والستر عن ذلك"()

وكونها "اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال"().

وثانيهما فني مركب: فهي تبدأ برؤيا، وتنتهي بها، كتلك القصة الوضعية التي تنتهي على حلم يُكتشف لما يستيقظ البطل من النوم.

فبالرغم من الطول يحافظ السارد (الإله) على الخيوط الرؤيوية بحبكة آية في المهارة والإبداع.
كذلك في كونها تتلاقح –في مقوماتها السردية- مع معظم الأجناس الأدبية المعروفة.

فهي مسرحية، من جهة مشاهدها المتعددة وحوارها الثري. وهي رواية، لطول أحداثها وكثرة شخوصها وعذوبة سردها. أو هي قصة، إذا ركزنا على بؤرة الإثارة فيها، أو هي ملحمة تراجيدية، بموازاة مع القطبين المستخدمين فيها (الجنس أو السجن) واللذين يستقطبان البطل ليستسلم في النهاية لأحدهما. أو هي معلّقة شعرية، لما فيها من وحدة عضوية.

غير أن المهم هو أنها استجمعت أجناساً أدبية عدة وفي لحظة واحدة، الأمر الذي جعلها (أحسن القصص).

إن السرد القصصي فيها يبدأ هكذا ] إِذْ قالَ يُوسفُ لأبيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَباً والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأَيْتُهم لِي سَاجدِينَ. قالَ يا بُني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإنسانَ عَدُوٌّ مبينٌ[().

وللدكتور عشراتي رأي في هذا الاستهلال، إذ يقول "رغم أن المدخل القصصي كان حوارياً ]إذ قال يوسف لأبيه يا أبت[ فإن القصة تنزع إلى السردية الاستعراضية، وتزاوج بينها وبين الحوار في تشكيل بنيتها، وهكذا نجد السارد (الإله) يسجّل دخوله بمسكه مباشرة بحبل القصة وذلك بعد الآية 6"().

وتمضي الأحداث متساوقة وتتدافع في شكل قنوات متتابعة، تتسم بالتصعيد لتصل إلى درجة التأزم، ثم يحصل الفرج، لتدخل في حلقة أخرى يزداد فيها التأزم، ليلوح الانفراج… وهكذا تتشابك الخيوط وتتداخل وتتجمع في هيكل القصة الدرامي. ثم تنفجر لتتلاحق وتتراس ليحصل الوئام ويُجمع الشمل.

إذن القصة تبدأ بالرؤيا التي تكون الحكم في النهاية، ويتدفق معها السرد مرافقاً لحركيتها ومطبقاً لها، بحيث يحوّلها إلى أحداث ناطقة، تتحرك من الداخل على صعيد المضمون، ومن الخارج على صعيد البنية السردية التي نفترض أنها مبثوثة في ثنايا الخلافات القصصية.

فلقد قص يوسف على أبيه يعقوب رؤياه التي كانت "بؤرة لإثارة المشاعر المتعارضة، إذ زادت من حب يعقوب ليوسف عليهما السلام، وهذا بدوره أشعل نار الغيرة وأثار حفيظة الحسد في أنفس* إخوة يوسف الذي ترتب عليه التخطيط للمكيدة"().

تشكل –إذن- الحركة الأولى (بداية السرد) بؤرة رؤيوية انفعالية، تستمر عبر القصة حتى ظهور اللحظة الجديدة، وهو ما يمكن تسميته بالانفراج وجمع الشمل.

ولكي يتضح السرد الدائري أكثر نذكر جميع الأحداث على شكل عناوين مبْرقة.

-حدث الرؤيا وإخبار يوسف أباه وإلحاح الأب على كتمانها
-تدبير المؤامرة لقتل يوسف
-استدراج يوسف لمكان الجريمة وعودة الأبناء بدونه وماترتب عن ذلك من حوار مع الأب.
-يوسف في الجب ومجيء السيارة
-يوسف يساق إلى بيت العزيز بعد أن يباع، ويبدأ حدث المراودة المعلنة.
-مشهد الصراع بين امرأة عاشقة ولهانة، وبين فتى محفوف بعناية الرب.
-انكشاف أمر المرأة والمحاكمة، وموقف الرأي العام خصوصاً النسوة.
-عرض الفتى على النسوة، ونهاية المحاكمة، والدخول إلى السجن
-داخل السجن حيث رؤيا الفتيين وتفسير يوسف لهما وتحقق التفسير.
-رؤيا الملك وتفسير يوسف لها، وانبهار الملك وإعجابه به
-استدعاء الملك له وظهور حقيقة المرأة واعترافها
-براءة يوسف وتوليه خزائن الملك، وتسيير أمور الاقتصاد
-سنين القحط التي ضربت البلاد والعباد، والتقاء الإخوة الأعداء (حيث حصل "جوع وقحط لا سيما في البلاد المجاورة كفلسطين، لعدم استعداد أهلها لمثل هذه السنة"()
-إلزامية الاكتيال مرهونة بإحضار شقيق يوسف
-حوار الإخوة والأب لأخذ "بن يمين" إلى يوسف
-لقاء الأخوين الشقيقين بعد تدبير مكيدة السرقة وتلفيقها
-عودة الأبناء إلى الأب ثم رجوعهم إلى يوسف
-مجيء الإخوة مجدداً للاكتيال، وظهور حقيقة يوسف واكتشاف المؤامرة الدنيئة.
-مجيء البشير وشفاء الأب، وجمع الشمل وتحقيق الرؤيا.

غير أن هذه الأحداث الكبرى، تتخللها أحداث صغرى، سارت عبر المدد السردي في تدفق قصصي ينزع فيه النص إلى تكثيف اللغة وإشاعة الدلالات التي، من شأنها المحافظة على الانتقال من حدث إلى آخر، دون ترهل ولا إسفاف، الأمر الذي يجعلنا لا نستطيع الفصل بين حدث وحدث.

ومن الشيق والروعة أن يتحكم في هذا السرد المتدفق محوران أساسيان يتقاسمان القصة كلها (كما ونوعاً).

1-من حيث الكم:

نجد آيات القصة من أولها إلى آخرها، مكونة من مائة وإحدى عشرة 111 آية

أ-المحور الأول: يبدأ من الآية الثالثة. وهي قوله ]نحن نَقُصُ عَلَيكَ أَحَسَنَ القَصَصِ[ وينتهي إلى الآية الثانية والخمسين، وهي ]ومَا أُبَرِئُ نَفَسْي إنّ النّفْسَ لأَمارةٌ بالسُوءِ[
وبعملية حسابية نجد السرد في المحور الأول، يشتمل على تسع وأربعين آية(49).

ب- المحور الثاني: يبدأ من الآية الثالثة والخمسين ]وقالَ الملِكُ ائْتُونني بهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي[ وينتهي إلى الآية مائة ]ربِّ قَدْ آتَيْتَنِي مَنَ المُلْكِ وعَلَّمَتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ[.
فالسرد فيه يشمل سبعاً وأربعين آية (47)
وبذلك يكون المحوران –من حيث الكم- متساويين تقريباً.

2-من حيث النوع:

أ-المحور الأول: ألفينا فيه، الأحداث تسوق البطل نحو الأمام.

بتعبير فني: الأحداث تصنع البطل. فيوسف تدفعه الأحداث دفعاً من (الرؤيا، الجب، فحادثة الإغواء، فالسجن).

ب-المحور الثاني: الأحداث تتوقف، ويصبح يوسف المتحكم في توجيهها. بتعبير فني: البطل يصنع الحدث. لأننا ألفيناه وراء كل الأحداث بدءاً من (تسلم الإمارة، إلى تقريب الأخ الشقيق، فلقاء الإخوة، ثم جمع الشمل) وبهذه الصفة يكون المحوران فاعلين ومنفعلين.

المحور الأول: الأحداث فاعلة والبطل منفعل.

المحور الثاني: البطل فاعل والأحداث منفعلة.

ويسير المحوران من النقطة (أ) – التي هي الرؤيا- وينتهيان عند النقطة (بـ) التي هي تأويل الرؤيا- وبذلك يلتقي المحوران في نقطة واحدة. فكأن (أ) هي (بـ) وتصبح (أ) مساوية لـ (بـ).

وبذلك يتضح السرد الدائري، ويبدو سرداً إعجازياً بحق لأنه ابتدئ برؤيا وانتهى بتأويلها، الأمر الذي جعله يمنح القصة طاقات تعبيرية غير مألوفة لأنه نهض – في سياقه- على الحلم في تفككه وغموضه واعتماده على تداعي الرؤيا، وما تفضي به من رموز ودلالات.

غير أن الرؤيا تكون فيه، هي المفعّلة الأولى للحركة، التي بدورها تصبح مركبة بفعل السرد المتدفق.

هذه الحركة تتقاطع فيها الشخصيات محمّلة بعواطف مختلفة يكون يوسف فيها منفعلاً مرة وفاعلاً أخرى.

يكون منفعلاً، حين تحركه الأحداث المتمظهرة في : (الطفولة، فالفتوة، فالسجن) ويكون فاعلاً، حينما تبدأ خيوط الرؤيا في التحقق بدءاً من (تسلم الإمارة، فاستقدام الإخوة، فانكشاف المؤامرة، فجمع الشمل).

وبهذه الوتيرة السردية المبتدئة بالرؤيا، والمختتمة بها يتضح السرد الذي يلتقي طرفاه (أ، بـ) في نقطة واحدة. ليكشف عن نفسه من أنه السرد الدائري.

"فالرؤيا –إذن- بؤرة الإثارة في الحاضر الروائي حيث انبثقت منها الأحداث معلّلة تعليلاً سببياً مركبا.. إذ اهتم منهج القصة الفنية القرآنية برسم صورة الأحداث وتحديد ملامحها والإلحاح على تلازمها، هذا التلازم الفني المعجز"().

ولعل الجميل في هذه القصة أنها تحاول أن تقرب الميثاق السردي الذي يربط النص بالقارئ، وأن تخلق وشائج حميمية بينهما، بحيث يثار شعور الاتحاد لدى القارئ بوجود مكان له في النص. من ذلك مثلاً قيامها على ثلاث رؤى:

-رؤيا يوسف في بداية القصة ]إنّي رأيْتَ أحَدَ عَشَرَ كَوكباً والشَّمْسَ والقَمرَ رَأيتُهم لي ساجديَن[.

-رؤيا الفتيين ]قالَ أحدُهَما إنّي أرَاني أَعْصِرُ خَمْراً، وقال الآخرُ إنّي أَرَاني أحْملُ فوقَ رأسِي خُبزاً تأْكُل الطَيرُ مِنْه[

-رؤيا الملك ]إنّي أرَى سَبْعَ بقرَات سِمَانٍ يأْكُلُهْنَ سَبْعٌ عِجافٌ وسبعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِسَاتٍ[

وبقراءة واعية تطرح مبدأ الافتراض والاحتمالية نصل إلى بعض النتائج، التي نفترض أنها جديدة لأننا –وبعملية حسابية- توصلنا إلى ما يأتي:

-رؤيا يوسف: 11 كوكبا + 2الشمس والقمر = 13

-رؤيا الفتيين: 1 الفتى الأول + 1 الفتى الثاني = 2

-رؤيا الملك: 7 بقرات سمان + 7 عجاف+ 7سنبلات خضر+ 7 يابسات = 28 فإذن: 13+2+28= 43 مجموع عناصر الرؤى.

ثم إن قصة الرؤيا يبدأ تنفيذها من الآية التاسعة وهي قوله ]اقْتُلوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وجَهُ أَبِيكُمَ وتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قوْماً صالحين[. ويأتي الفرج والتمكين في الآية الثانية والخمسين وهي ]ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّيَ لَمْ أَخُنْهُ بالْغَيْبِ وأَنْ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخَائنيِنَ[ أي 52-9= 43.

إذن 43آية= مجموع ما شوهد في الرؤى الثلاث، الأمر الذي يجعلنا نصل إلى نتيجة، وهي:

وجود علاقة جدلية بين رؤيا يوسف والرؤيين الأخريين. وهي مصادفة غريبة بحق، أن يتطابق تنفيذ رؤيا يوسف في 43 آية مع 43 مجموع الرؤى.

ولعلنا باستعمالنا للمناهج الحداثية، ربما نصل إلى رؤية جديدة، من شأنها تبديد هذه الغرابة.
غير أن هذه تبقى دراسة استشرافية ربما يحين حينها.



يـــُتبع إن شــــــــــــــــــــاء الله..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#39  مشاركةبواسطة KHOLIO » الثلاثاء إبريل 21, 2009 8:54 pm

رابعاً: السرد المشارك:

مستوى سردي آخر، لا يقل أهمية عن المستويات السابقة، وهو السرد المشارك، والذي جاءنا نتيجة استنطاقنا لبعض نصوص القرآن مما يتبين أن في القرآن مستويات سردية عديدة.

ونحن إذ نحصي هذه الأنواع السردية إنما نقصد أن نبعد النص القرآني عن الخطابية الوعظية التي تجهض جدران المساجد، وتستل دموع المصلين وزفراتهم. وكأن القرآن هو هذا وفقط.

إن العبارة القرآنية – وفي لحظة نزولها- نجدها قد صافحت الأسماع، فتحرك لها أرباب البلاغة وسلاطين البيان، فاستولت على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.

وفي هذا السياق يقول الوليد "والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه"( ).

وأمر سلطة النص القرآني، ليس مقصوراً على الجاهلية وحدهم، بل تدافع المهتمون به منذ لحظة النزول مروراً بالعصور الأدبية المعروفة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

وبظهور المناهج الحداثية استكمل لكتاب الله، أن يُدرس بعمق وغورية، وبرؤى معرفية كشفية قمينة أن تستجلي مظاهره الجمالية المتعلقة بمعماريته المحكمة، وسرده المتنوع وإيقاعه العبقر، بعيداً عن الاستعمالات البسيطة لآي القرآن لدعم شاردة نحوية أو تأكيد ظاهرة فقهية، لأن كل نص أدبي قابل للتجدد والعطاء" فبقدر ما نتعمق في العمل ونحن ندرس نصاً أدبياً بقدر ما تتعدد زوايا الرؤيا فيه"( ).

ولعل الأمر – هنا –يتعلق بالقارئ النموذجي الذي يملك حس القراءة الجمالي، أو إنه ذلك الذي يتمثل الآية القرآنية إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لمن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ أَلقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( ).

غير أن هناك عوامل مجتمعة، تحول دون تحقيق هذه الغايات التي ننشدها من وراء قراءة النص القرآني، كالعامية المبتذلة التي نسمعها كل حين، والألفة التافهة والبلادة السخيفة التي جعلتنا نستوعبها، حتى أبعدتنا عن أصول لغتنا، لغة القرآن.

وأيضاً تلك القراءة المملة التي نسمعها كل حين "ثم أسلوب الأداء الممل الرتيب الذي نسمعه من مرتلين محترفين يكرّون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة، لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد، من موقف البشرى من موقف العبرة. نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات"( ) فتغتدي قراءة رتيبة جامدة لا تحرك الوجدان ولا تدفع إلى البحث.

إن النص القرآني غني يتيح لنا الفرصة، لنقرأه مرات ومرات، وكلما قرأناه أمدّنا بعطاياه، لأنه نص سخي يتجاوب مع القراءة الواعية التي تطرح مبدأ المساءلة والافتراض، فضلاً عن أنه ذو إيحاءات ودلالات متنوعة "فالنص الأدبي هو نص له هويته، كما لكل شيء هويته، وهو بذلك ليس نصاً سياسياً أو سيكولوجياً أو اجتماعياً، وإن كان يحمل دلالات سياسية وسيكولوجية واجتماعية، وهو إذ يحمل هذه الدلالات يتيح لنا أن نقرأه أكثر من قراءة"( ).

وعسى أن يكون المانع – من إيجاد لحظة قرآنية- ممثّلا في كثرة الانشغالات الحياتية المختلفة، الأمر الذي أمات القلوب فتحجرت وسطح الأفكار فتهجنّت ولكن لا يمنع هذا من إيجاد لحظات نوفر فيها للقراءة القرآنية طقوسها، فتغتدي واعية واعدة، فضلاً عن أنها ممتعة.

لأن "لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ويرتد فيها طفلاً بكراً وترتد له نفسه على شفافيتها، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن"( ).

إن النص القرآني ذو خصوصيات وتمايزات معينة مفتوحة على التجديد والتوالد، من شأنها أن تسهم في تجلياته المبطّنة في ثنايا نصوصه الإفضائية التي تتجمع فيها أشكال سردية عديدة تحال إلى واسطة بين السارد والمتلقي.

فالسرد المشارك هو ذلك الذي يسهم فيه طرفان يكونان ظاهرين أو خفيين، وعادة ما يكونان شخصين.

لقد ألفينا السرد المشارك حاضراً في التراث الأدبي العربي، حيث استخدمه الجاحظ في كتابه البخلاء وبالضبط في قصة الكندي، بحيث اعتبره العنصر الأساس المحرك للقصة. وقد تم بين الكندي ومعبد.

وفي العصر الحديث تمثله طه حسين في قصته المعروفة أديب، حيث كان مجسداً في الرسائل المتبادلة بين صديقين. أحدهما بمصر، والثاني بفرنسا. وبذلك يكون "السرد المشارك لعب الدور الأساس في تنمية حكاية القصة: إذ رأينا الرسائل التي تحمل الفكرة الأساس لا تنقطع بين الكاتب وصديقه منذ أن كانا طالبين في مصر، حتى شارفت القصة على نهايتها هناك في ربوع فرنسا"( ).

غير أن السرد المشارك – في تمثلنا – ليس حواراً يستلزم أن يكون دائماً مسهماً، من طرفين حاضرين يجمعهما زمان ومكان واحد. بل هو ما نتحسسه متحركاً نحو الأعلى بإسهام جانبين فيه يكونان- في الغالب- بعيدين عن بعضهما. فهو يتركب من "صيغة مضاعفة تخلق بؤرة غير زمنية في جوهرها.. وقد يتخلل هذا اللون من السرد مشاركان متناظران"( )

ولعله يظهر بوضوح، حين يتحكم في آلية السرد مشاركان. كأن يكون أحدهما في الريف والثاني بالمدينة، الأمر الذي يجعل تنمية القصة في تصاعد تفعّله الرسائل المتبادلة.

هذا هو شأن السرد المشارك في القصة الوضعية، على حين يتخذ السرد المشارك في القصة القرآنية صوراً متباينة عجيبة، كأن يتم بين آيتين مثلاً كقوله تعالى إعْلَمُوا أَنّ اللّه شَديدُ العِقَابِ وأنَّ اللّهَ غَفُورٌ رحِيَمَ ( ) وإن كنا نجد السرد –هنا- مبنياً على جانب واحد و"يتركز على وحدة فردية"( ) لأن السارد هنا واحد، هو الله.

ولكنه على صعيد المضمون يظهر من جانبين. فكونه شديد العقاب، يغتدي فيه السرد مستقلاً، وكونه غفوراً رحيماً، يقتضي سرداً مستقلاً أيضاً.

النموذج المنتخب:

إن القصة المجسدة للسرد المشارك هي المحمولة على سورة (عبس) بحيث وجدنا آيتين متناظرتين تصنعان هذا النوع السردي وتشكلان –بالتوازي إلى هذا- قصتين قصيرتين متناظرتين. من هنا يظهر الحد وتتجلى المفارقة بين طبيعة السرد المشارك في المجال الوضعي وبين طبيعته في المجال التوقيفي.

الآية الأولى: عَبَسَ وَتَوّلى أَنْ جَاءُه الأَعْمَى، ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهٌ يزكى أوْ يَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ الذّكِرى أمّا مِن استغْنَى فأَنْتَ لهُ تصَدّى ومَا عَلَيْكَ ألاَّ يَزكّى وأَمّا مَنْ جَاءَك يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى كَلا إنَّها تَذِكرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ في صُحُفٍ مُكرَمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بأَيْدي سَفَرَةٍ كَرامٍ بَررةٍ ( )
الآية الثانية: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أكفَرَهُ( )

قبل المعالجة النقدية يحسن بنا أن نشير إلى سبب النزول حيث "أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: أنزل (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله (ص) فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني. وعند رسول الله (ص) رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله (ص) يعرض عنه، ويقبل على الآخر فيقول لـه: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: لا. فنزلت
عَبَسَ وتولّى أن جاءَه الأعمّى ( ).

وفي رواية أخرى "كان عنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم"( ).

ويبدو أن الرجل ألحّ على الرسول كثيراً، وفي هذا يقول القرطبي "وظهرت الكراهة في وجه الرسول لقطعه كلامه. وقال عليه الصلاة في نفسه: ماذا يقول هؤلاء الأشراف؟ أيقولون إن أتباع محمد من العميان والسفلة والعبيد؟ فأعرض عنه"( ) فجاءت السورة عتاباً للرسول (ص) وتبياناً لإنسانيته وبشريته. لأننا لا ينبغي أن نحكم على الأنبياء" بأنهم معتوهون بأصل خلقتهم فهم يمثلون الإنسان في أسمى حالات كماله، البدني والخلقي، والعقلي"( ).

فالسرد المشارك – إذن- يقوم به جانبان:

أ-الجانب الأول: يظهر في قصة ابن أم مكتوم والتي تشغل حيزاً أكبر بحيث، تحوز ست عشرة آية.

ب-الجانب الثاني: يظهر في قصة عتبة ويشغل حيزاً أصغر، بحيث يحوز آية واحدة.

إن لهذا السرد في القصتين (أ،بـ) نظماً دلالياً عجيباً، بحيث –منذ الوهلة الأولى- يبدأ في اتجاه الأسفل متخذاً منحى دلالياً تنازلياً عضداً له، يستمر فيه العتاب الآية تلو الآية، حتى يصل لدرجة الصفر. ولعل هذا يكون واضحاً في القصة (أ) وفجأة تظهر لحظة التصعيد والتنامي ورد الاعتبار. هذا ملموس في القصة (بـ).

وعسى أن يكون ذلك كله، بغرض تحقيق التوازن في البنية السردية وبخاصة في جانب المضمون.

نجد أ: تمثل السرد المشارك الأول، والذي يصنعه عتاب الرّب لنبيه محمد (ص) وبـ: السرد المشارك الثاني، يصنعه انتقام الرّب من عتبة بن أبي لهب.

وجـ: تقاطع السردين في نقطة نهاية القصة الأولى وبداية القصة الثانية السرد المشارك الأول: إن الآيات الأولى، تصور تلك الجلسة التي كان يجلسها الرسول (ص) مع أشراف قريش وكله حماس واستعداد في حوار مشهود، علّه يصل إلى قلوبهم فيهز مشاعرهم ويحرك أحاسيسهم، مشهد روائي رائع يضم الرسول (ص) وضيوفه في خلوة تتسابق فيها خيوط الفرحة ونشوة الفوز إلى قلب النبي(ص) في تساؤل مستمر، يوقعه هذا الاستفهام: أترى بما أقول بأساً؟ ويستمر الحوار متدفقاً..

وبينما هم على هذه الحال، تصم آذانهم صيحة رجل أعمى يقتحم عليهم جلستهم، ممزقاً خيوط الدعوة إلى سبيل الرّب، وتتلاشى القناعات النبوية المنبعثة من قلبه(ص) في سرعة وتلهف. أرشدني يا رسول الله مما جعل النبي متضايقاً فتحسر وانقبض. ولعل هذه الآية فيها ما يوحي بذلك

عَبَسَ وتَوّلَى أنْ جَاءَهُ الأَعمَى إنه تصوير لحالة النبي النفسية، إنه العتاب واللوم. ثم يمضي السرد إلى عتاب أعنف ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَكَّى أَوْ يَذكَّرُ فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرَى.
إن الآيات –هنا- تخاطب النبي مباشرة بضمير المخاطب، بعد أن خوطب بضمير الغائب (عبس وتولى).

نلمس في ذلك تقاطعاً مع السردية الجديدة وبخاصة الرواية "فصيغة الأنت أو الأنتم حلتّ محل الهو في مسرودات حديثة عديدة"( )، حيث ألفينا ضميرالغائب مقصى غير معوّل عليه، على حين يكون الاحتفاء بالمخاطب. وهو ما تشي به آيات سورة عبس هذه.

وما يدريك؟ من أعلمك ألا فائدة دعوية ترتجى من هذا الأعمى؟ إنه بسؤاله يريد أن يتطهر، أن يتزكى فجاءك ونفسه مضطربة في عجلة من أمره يريد أن يبدّد عنه غشاوة الجهل ويلبس رداء الإيمان، فأعرضت عنه. لم؟

ثم يستفحل السرد في عتابية عنيقة أَمَّا مِن اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصّدى وَمَا عَلَيكَ ألاَّ يَزكَّى إنه عتاب قاتل، إنك يا محمد (ص) تلفتّ إلى وجهاء قريش في تعطش شديد ولهفة حارة، كلهفة العطشان.

لقد رسم السرد –هنا- صورة كاشفة تضيء جوانب النبي الخفية، بحيث صورت حالته النفسية واهتمامه المفرط الذي أولاه لأعيان قريش ووجهائها.

ويعود السرد منعطفاً لوصف الرجل الأعمى في أسلوب عتابي جديد يلفح الرسول (ص) وأَمّا مَنْ جَاءَك يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى إنه وصف لسريرة الرّجل وما كان يخالجه، وهو يسير بخطا ثابتة نحو هادي الأمة، بل وصفت ما تجشّمه من عناء، علّه يزيل عنه خيوط الجهل، ويزيح عنه سدول الظلمات.

لقد جاء ساعياً مسترشداً ينشد غاية يرجو إيمانا، يخطو ويخطو، يريد أن تنتهي خطواته عند عتبة الهداية والرشاد.

إن ما تشي به جملة – وهو يخشى- الحالية كثير، ذلك أن الرجل مقبل على أمر جديد مما يدفع إلى الخوف والاضطراب. وبمقتضى المقصود، فلا شك أن الرجل سيتخلى عن دين الآباء والأجداد، الإرث الشرعي له.

غير أن السرد المشارك هنا، ألفيناه يتنامى وفق خاصية المد والجزر. فهو إلى الأمام تارة، وإلى الخلف أخرى، فكأنما العتاب ينزل على الرسول (ص) من زوايا مختلفة.

-فهو يعاتبه على عبوسه في وجه الرجل الأعمى

-ويعاتبه على تصوره ألا جدوى من هذا الرجل

-ثم يعاتبه لانعطافه إلى وجهاء قريش. لم تهتم بهم؟ ولم ولم؟

-ثم يعاتبه مجدداً لتلهيه عن الرجل وانشغاله عنه.

فالملاحظ أن العتاب اتخذ وجهتين أساسيتين: إحداهما مضاعفة، والثانية ثابتة.

أ-وجهة عتابية: تولدت نتيجة موقف الرسول من الأعمى الفرد. وهي خاضعة للتضعيف العتابي.

ب-وجهة عتابية: تولدت نتيجة موقف الرسول من وجهاء قريش الجماعة.وهي ثابتة.

وفي الوجهتين، تماثل العتاب للظاهرة الزمنية الارتدادية والحاضرة.

وسنوضح ذلك حالا:

بالنسبة للوجهة الأولى: عاتب الرّب رسوله(ص) نتيجة عبوسه في وجه الرجل، باستعمال ضمير الغائب (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) فالأفعال الثلاثة تدل على زمنية ماضية ارتدادية. ثم فجأة يخاطبه (وما يدريك) وهو عتاب آخر للرسول (ص)، في كونه تسرّع في العبوس نتيجة حكم مسبق استقر في ذهنه، مما انجر عنه موقف العبوس. فالفعل (يدريك) يدل على الزمن الحاضر.
فالعتاب هنا فيه مزاوجة بين الماضي والحاضر.

أما في الوجهة الثانية: فلقد عاتبه من جهة، أن الذين حاورهم هم في غنى عن دينه ذلك بذكر فعل (استغنى) الدال على الماضي.

ثم وجّه الخطاب مباشرة إلى الرسول (فأنت له تصدى) عتاب آخر نتيجة العناية الكبيرة التي أولاها لوجهاء قريش، وذلك باستخدام ضمير المخاطب الدال على الزمنية الحاضرة.

فهناك –إذن- زمنان سُخرا في هذا العتاب المركّب، أحدهما: ارتدادي. وهو الماضي والثاني: مباشر. وهو الحاضر.

وعسى أن يكون هذا ما جعل السرد يعتمد على البنية الثنائية المتمثلة في العتابين المتتاليين.

أ-عتاب نتيجة سلوكه تجاه الأعمى (ثلاث مرات)

ب-عتاب نتيجة توجهه نحو الأعيان (مرة واحدة)

غير أن تكثيفية العتاب من جراء عبوس النبي في وجه ابن أم مكتوم، وتقليليته من جراء توجهه نحو صناديد قريش يفسره العرف الاجتماعي. ذلك أن الغني مهما قوبل بالمواجهة وبالإكبار فإنه لا يهتز ولا يتأثر، لأنه يملك المال والجاه والنفوذ في حين نجد الفقير يزداد تأثراً وتحطماً إذا قوبل بالإعراض( ).

فإذا (أ،بـ) تشكّل ثنائية عتابية مكونة من سردين متعانقين تشغلهما نفسية الرسول (ص) ونفسية ابن أم مكتوم وهما عالمان نقيضان: نفس عاشقة ولهانة تتلهف للإيمان، وأخرى عبوسة صادة ترفض العميان.

ويلتقي السردان أربع مرات، ثلاثاً تتعلق بابن أم مكتوم وكيف أعرض عنه النبي. وواحدة تتعلق بتوجيه العناية إلى أعيان قريش.

وكأني بالسرد هنا يشبه ضريرا يحمل عصا يضرب بها ذات اليمين مرة، وذات الشمال أخرى. لأن العتاب اتخذ مسارا معاكسا.

والأسهم في اتجاهاتها، توضح السرد المعاكس. وكأن النبي وُجّهت له سلسلة من العتابات يميناً وشمالاً.

إلا أن البنية السردية تتعقد بحيث تصير أحادية بعد أن كانت ثنائية، ويتغير الخطاب كَلاّ إِنَّها تَذكِرةٌ فمنْ شاءَ ذكَرَه في صُحُفٍ مُكرمّةٍ مرفُوعةٍ مُطَهّرةٍ بأيدي سَفَرةٍ كرَامٍ بَرَرَةٍ ليصبح قائماً على التوجيه والنهي والعبرة والاعتبار.

وبهذا ينتهي السرد المشارك الأول الذي صنعته قصة ابن أم مكتوم مع الرسول (ص)

السرد المشارك الثاني: تصنعه آية قُتِلَ الإِنسَانَ ما أكْفَرَهُ

قبل شرحه يجمل بنا أن نذكّر بما قلناه سابقاً: يبدأ السرد المشارك الأول من أعلى إلى أسفل، العتاب تلو العتاب، التقريع تلو التقريع، ليصبح تصاعدياً، الأمر الذي يؤدي إلى السرد المشارك الثاني المجسد في آيتنا هذه.

تتكون قصة عتبة بن أبي لهب من ثلاث كلمات و"ما" التعجبية".

لهذه الآية سبب نزول حيث "أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله "قتل الإنسان ما أكفره" قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب النجم"( ).

غير أن القصة رُويت بهذا الشكل، ولا بد من التذكير بها كي تتضح ويتضح معها السرد المشارك. "يقول ابن عباس: إن عتبة بن أبي لهب كان قد أعلن إسلامه للنبي (ص).. ولكنه كان مريض النفس مزعزع الإيمان فلما نزلت سورة النجم. وسوست له نفسه أن يذهب إلى النبي (ص) ويقول له: إني آمنت بالقرآن كله إلاّ سورة النجم..

فهي إما من عندك أو من عند الشياطين، فلما أوغر عتبة قلب النبي (ص)، دعا عليه رسول الله دعوة قائلاً: (اللهم سلّط عليه أسدَ الغاضرة) والغاضرة كانت على مقربة من الشام وقد اشتهرت بوجود أسدٍ كاسرٍ.. وسَخر عتبة.. وأطلق عقيرته بضحكة ساخرة عالية.. وسافر بعد ذلك عتبة بأيام إلى الشام.. ووصلت القافلة إلى ناحية الغاضرة.. وضحك أحد رجال عتبة وقال ساخرا، نحن الآن بالغاضرة، أين أسد رب محمد يا عتبة؟.. وفجأة اختنقت ضحكتهم.. لقد صك مسامع الجميع زئير لهيب..

ما هذا الذي نسمعه؟.. وهاجت إبل القافلة وماجت حينما سمعت الزئير. ويقولون: إن عتبة بال على نفسه من فرط ما اعتراه من خوف ورعب.. وبرز الأسد من وراء مرتفع صخري.. وندم عتبة.. وصرخ عتبة بن أبي لهب في رجاله قائلاً: سأعطيكم ألف دينار إن أنا نجوت من هذا الأسد وأصبحت حياً.. وأسرع الرجال فوضعوا عتبة وسطهم وحصنوه وهجم الأسد فمزقه شر ممزق بأنيابه ومخالبه.. ثم ابتعد واختفى فجأة وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته"( ).

هذه هي قصة قُتِلَ الإِنْسَان ماأَكْفَرَهُ وهذا التركيب، هو دعاءٌ كانت تعرفه العرب "وهي من أشنع دعواتهم، لأن القتل قصاري شدائد الدنيا وفظائعها"( ).

وبذلك يتغير الخط السردي، فيصبح تصاعدياً، لأن المعنويات ارتفعت والحس العتابي تلاشى وابتلعته قصة (عتبة) هذه.

ولعل الحقيقة الجوهرية، التي تختفي وراء هذه القصة المساقة عقب قصة ابن أم مكتوم الأولى بصورة متصلة، هي أن هناك علاقة متينة بين قصة (ابن أم مكتوم)وقصة (عتبة بن أبي لهب) ذلك أن القصة الثانية قامت على أنقاض القصة الأولى.

وعسى أن يكون الغرض من إيرادها، هو محاولة خلق نوع من التوازن في نفسية النبي (ص) ورد الاعتبار له. لأن السارد (الإله) كان قد قرّع النبي وعزّره بتعزيزٍ، سياطه: كلمات عتابية متنوعة انهالت عليه انهيالاً.

وبقصة عتبة ونهايتها المؤلمة، يكون الرّب قد أعاد الاعتبار للرسول (ص) باستجابته لدعائه الذي دعاه على عتبة من وجهة، ويكون قد بدّد عنه غشاوة الحزن التي اعترته من جراء موقفه من ابن أم مكتوم في القصة الأولى من وجهة أخراة.

وهنا. يمكن الالتفاتة إلى تقنية تميز خطابية النص القرآني، وهي أن السارد مثلما عاتب الرسول وقرعه، لمّا تصرف تصرفه تجاه الأعمى. يكون قد وقف إلى جانبه لما كان في مقام المظلوم.
وما يهمنا هو أن السرد المشارك في القصة الأولى رأيناه يسلك سبيلاً تنازليَة حين انطلق من عتاب إلى عتاب. وفي القصة الثانية ينهج نهجاً تصاعدياً، وذلك حين رد للنبي اعتباره فارتفعت معنوياته.

فإذن يتحرك السرد المشارك- والذي صنعته القصتان السابقتان من بدايته إلى نهايته –في فضاء من التصورات الأساسية والانفعالات النفسية المضطربة التي تتجسد في خطين متناقضين متوازيين.

1-خط نفسية الرسول (ص) وحماسته تجاه أشراف قريش.

2-خط الرجل الأعمى وخشيته وقلقه تجاه الرسول (ص)

وباكتمال العتاب الإلهي والحسرة التي تسربت إلى قلب النبي والندم الذي شعر به، يظهر خط ثالث يقوي النبي (ص) ويرفع من معنوياته ويشحنه شحناً.

هذا الخط تجسده قصة عتبة التي يستجاب فيها لدعاء النبي (ص) فيدحض عدُّوه. وبذلك يتلاشى الخطان، ويبقى مفعول الخط الثالث قائماً، وتكتمل النشوة. فيعدو الرسول (ص) نحو ابن أم مكتوم ليعانقه عناقاً حارا ويقول له: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي"( )



يـــُتبع إن شــــــــــــــــــــــاء الله..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#40  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأربعاء إبريل 22, 2009 4:15 pm

خامساً: السرد الإضماري:

الإضمارية: ظاهرة بلاغية قبل أن تكون تقنية فنية، ترتبط وشجائجها بالمتلقي وتخضع لمستوى وعيه وإدراكه.

ولما كانت درجة المتلقين متفاوتة ومتباينة، بين متلقّ فطن ذكي لبق، وبين آخر مترهّلِ متأخر الفهم شارد الذهن، استلزم أن يكون الخطاب مكيّفاً حسب تلك المقاييس التي عليها المتلقون.

ولعل الجاحظ –بنظراته الثاقبة- يكون أول من التفت إلى علاقة النص بالمتلقي، بحيث راعى منزلة السامع ومستلزمات المقام "إذ أن الكلام يتنزّل في مقامات، كما أن الناس طبقات.

وتلاؤم الحديث وملابساته مع نوع اللفظ عنصر مهم في نظريته.. وقد تركز جهده على ما يعرف بشفافية الخطاب أو نفعيته"( ).

وعلى هذه الشاكلة انبنى النص القرآني. وفي هذا يقول الجاحظ "ورأينا أن الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطاً وزاد في الكلام"( ).

ولعل العلة في ذلك واضحة، لأن العرب هم معدن الفصاحة وسلاطينها. يفسّر ذلك كون إعجازية النص القرآني تنهض على اللغة، لأن عظمة القرآن في اللغة تجسد عظمة العرب فيها. وإلا لما كان للإعجاز القرآني من معنى يذكر، ولما أُخذت كتب ابن قتيبة والجاحظ والباقلاني والجرجاني والرافعي وغيرهم، بالنظر.

إن خطباء العرب جبلوا على التفنن في إرسال الكلام وفق مقتضيات، تملي عليهم استخدام نمط لغوي يغطّي الموقف الذي هم فيه، فيطنبون في مقام الإطناب، ويُقلون في موقف الإقلال. وهكذا نرى المفوه من العرب "يختصر تارة إرادة التخفيف ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين، ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل، وكثرة الحشد، وجلالة المقام"( ).

ونجد الجاحظ مثلاً في كتابيه (البيان والتبيين) و(الحيوان) يستفيض في مسألة اللفظ والبيان والفصاحة وحضور العرب فيها. حيث ألفيناه يتعجب من بداهة العرب في قرض الشعر، وكيف تلين عربيتهم في أيديهم فيدعونها ما يشاؤون، ولا يتلمّس فتورا أو قصورا يلاحظ عليهم في العبارة والجملة والكلمة، بل والحرف فيقول: "وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر تراها متفقة ملسا، ولينة المعاطف سهلة.. ورطبة مواتية سلسة النظام خفيفة على اللسان حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد"( ).

هكذا كان العرب في حياتهم البيانية يحيون مع اللغة، فكأنهم خلقوا لها أو خلقت لهم، حتى لتشعر وكأنها جزء من كيانهم، تتمدّد متى أريد لها، وتتقلص حيث يريدون. وبذلكَ يكونون حقاً هم الفصحاء أو كما يسميهم ابن بحر "الأعراب" الخلّص هم معدن الفصاحة التامة"( ).

ولا غرو أن يكون القرآن الكريم – الذي أنزل فيهم- على هذه الشاكلة البلاغية التي هم عليها، وعلى الفطرة اللغوية التي فطروا عليها، والفصاحة الحقة التي استظلوا بظلالها.

إن الفصاحة الحقة "ليست في مجرد الإفهام، فقد يتم الإفهام بكلام غير فصيح، وإنما هي الإفهام على مجرى كلام الفصحاء من العرب، ومعنى ذلك أن الفصاحة في اللفظ لا في المعنى"( ) لأن كلام الفصحاء في بعض طرق عرضه، وجدناه ينهض على الحذف والاجتزاء، وهما سمتان تتعلقان باللفظ. وهي النقطة التي يقوم عليها السرد الإضماري الذي نحن بصدد معالجته.

إن مسألة اللفظ هي التي توضّح السردية الإضمارية بحيث عن طريقه نتكشف السرد المحذوف لأغراض بلاغية وفنية.

فالمدار – إذن- لفظي بالأساس وفي هذا السياق تقول ناتالي ساروت "لا شيء كان يوجد خارج الألفاظ ولا شيء كان يسبق وجودها"( ).

يمكن أن نطلق على النوع السردي بالسرد الإضماري، أو المولّد أو المغيب أو الصامت. وإن كنت أفضل له التسمية الأولى.

غير أن هذا السرد ما هو إلا نتاج لغوي يصنعه اللفظ حين يحذف، مما يستدعي البحث عن المعنى المحذوف الذي يشيعه ذلك الحرف أو تلك الكلمة المكثفة المعلنة عبر النص تارة، والمحذوفة تارة أخرى.

ولعل هذا الكشف والاستجلاء هي مهمة يضطلع بها القارئ، الأمر الذي يحدد غاية الإضمارية. ولعمري فهي سمة تنطق بها الحداثة في الإنجازات السردية الجديدة، يكون قد أصّلها القرآن بحضورها فيه.

ولن تكون مشاركة القارئ في النص الإبداعي حاضرة، إلا إذا تعمد السارد تقنية الإضمار، وذلك ليشغل ذهنيته ويدفعه نحو الابتكار ويوقظ اهتمامه ويشركه في مجريات النص.

إن أدبية السرد الإضماري ليست بدعا على النصية القرآنية، فالقرآن في أغلب مظاهره امتداد لما كانت عليه العرب، وفي هذا السياق يقول ابن عباس: "ما غمض عليكم من كتاب الله فاطلبوه في أشعار العرب"( ).

ولعل الغموض المقصود هنا يتجلى في جانب اللفظ، لأن المعنى مما لا يحفل به وفي هذا التوجه يقول الجاحظ: "المعاني موجودة في طباع الناس يستوي الجاهل فيها والحاذق ولكن العمل على جودة الألفاظ وحسن السبّك وصحة التأليف"( ).

وهو المذهب نفسه الذي عليه أبو هلال العسكري حيث يقول: "وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، إنما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته، ومائه، مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف"( ).

إن السردية الإضمارية تتأسس على اللفظة القرآنية، بحيث يمكنك الوصول إلى المضمر من خلال الظاهر، إذا عايناه ورصدناه وربطناه بمضمون القص الذي سيق فيه.

لأن المفردة القرآنية "تكاد تستقل- بجرسها ونغمها- بتصوير لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهياً أو شاحباً، وفيها الظل شفيفاً أو كثيفاً.. فحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله تعالى فَلاَ أُقْسِمُ بالخنَّسِ الجَوَارِ الكُنَّسِ، واللَّيلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْح إذَا تَنَفّسَ( ).

ويضيف صبحي صالح: "ولا أحسبك إلا مستشعرا عنف لفظ الكبكبة في قوله تعالى فَكُبْكِبُوا فِيَها هُمْ والغَاوُونَ وَجُنُود إبليِسَ أجْمَعُونَ حتى لتكاد تتصور أولائك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم ويلقون إلقاء المهملين فلا يقيم لهم وزناً"( ).

فلفظة (عسعس) تبين شدة سواد الليل وتزاحمه فهو يدفع بعضه بعضاً. ثم هي تُخفي وراءها تراكماً زمنياً لفترة جاهلية، عاش أهلها في الظلمات الحالكات في أحضان عقيدة أبوية طاغية متطرفة.

وكلمة (تنفس) يختفي وراءها سرد طويل يصور ذلك النور الإلهي وتلك الرسالة المحمدية، التي بددت الجهل وأنارت الطريق وأخرجت الناس من الظلمات إلى النور بفضل ذلك الفيض الإلهي. وأما كلمة (فكبكبوا) فتنقل إليك صورة المجرمين وهم يلقون في النار في شكل تكورات متتابعة. ألا تعكس هذه الكلمة حركات دائرية نحو النار؟

فأنت ترى، كيف أن السرد أُضمر وراء هذه الكلمات الثلاث.

إن سياق السرد الإضماري –في جوهره- تسجيل للفتة تبليغية (Un geste communicatif) تصله مباشرة بالقارئ.

غير أن علة إخفائه ترجع لخصيصة يقتضيها السارد منها: توضيح ثقل المفردة القرآنية المفتوحة على التوالد والإفضائية والتي هي –في نهاية الأمر- تبيان لعظمة النظم وإعجازيته.

وفي هذا يقول الرافعي: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب، مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي"( ).

وكما أومأنا في البداية، من أن الله إذا خاطب بني إسرائيل أفاض في الكلام. آية ذلك أن قصصهم في القرآن مكررة في مواطن مختلفة وقلما "نجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع معادة، لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم"( ).

وإذا خاطب أرباب البيان جعل الكلام مبنياً على الإشارة والإيحاء والحذف. وهي تقنية فنية تميزت بها الخطابية العربية، وقد يصبح الحذف أو الاختصار أو الإيجاز دالاً على مفهوم البلاغة عند العرب.

وفي هذا الشأن قال أبو العباس: "من كلام العرب الاختصار المفهم، والإطناب المفخم، وقد يقع الإيماء إلى شيء فيغني ذوي الألباب عن كشفه"( ).

وهذه الشيم الأسلوبية ما هي إلا صور للسرد الإضماري الذي نقصده. لأن المضمر يبقى أثره مقدّراً في اللفظ، الشيء الذي جعل النحويين يقولون: (أن) تنصب ظاهرة ومضمرة.

ونجد أن ميمون يرد قول النحاة بقوله: "إن الفاعل يحذف في باب المصدر، وقال: الصواب أن يقال: يضمر ولا يحذف، لأنه عمدة في الكلام"( ) وعلى هذا، فالإضمار أبلغ من الحذف.
إن السرد الإضماري في القرآن يتخذ أشكالاً عديدة نفصلها حالا.

1-شكل إضمار حرف:

إن هذه التقنية الإضمارية تظهر في مواطن شتى في النص القرآني، ولا يمكن الوقوف عليها كلها بل نكتفي بقدر معين منها، فمثلاً قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا.

لقد اختلف المفسرون في هذا المقطع لأنه يتعرض لسمعة نبي من أنبياء الله. وإن كان ظاهرها يبرئه، لأن امرأة العزيز هي التي غلّقت الأبواب وهمت به عليه السلام. هذا ظاهر الآية.

غير أن الاختلاف كان في الجزء الثاني من الآية (وهم بها)، الأمر الذي فتح الباب واسعا للمجتهدين في توضيح مفهوم الهم، وإن كان هذا لا يهمنا.

وباستخدامنا للسيمائية، منهجا توصلنا إلى نتيجة مكنتنا من تفسير إضمار حرف (ولقد) من آية (وهم بها) بحيث لو ذكر (قد) لانصرف الذهن إلى أن الهم من يوسف قد تم فعلا وتحقق. لأن الفعل الماضي إذا سبق بقد أفاد التحقيق.

وكونه محذوفاً، جعل جزءاً سردياً كبيراً يختفي وراء هذا الحذف، الأمر الذي يسهل على القارئ مهمة استظهار هذا المحذوف. كأن نقول: بعد أن همت امرأة العزيز بيوسف انفعل وتحركت شهوته وخفق قلبه واهتزت غريزته وشعر بالدفء واللذة. وبحذف (قد) برئ يوسف وجاءت تبرئته مشهودة.

وعن فائدة مثل هذا الحذف من آية المراودة في الآية السابقة، نورد رأي الزركشي في الحذف الوارد في بعض آي الذكر الحكيم، رأيناه يناسب ما ذهبنا إليه في حذف (قد) من (وَهَمّ بِهَا) فيقول: "فمنها التفخيم والإعظام، لما فيه من الإبهام، لذهاب الذهن في كل مذهب، وتشوّفه إلى ما هو المراد، فيرجع قاصرا عن إدراكه، فعند ذاك يعظم شأنه، ويعلو في النفس مكانه.

ألا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ زال ما كان يختلج في الوهم من المراد، وخلص للمذكور"( ).

فحرف (قد) المضمر، يطرح عدة تساؤلات، الشيء الذي جعل المفسرين يختلفون في أمر هذه الآية، وذلك لذهاب الذهن في كل مذهب كما يقول الزركشي.

وأضمر –هنا- ليعظم من شأن يوسف وتعلو مكانته ويترفع عن الدناءة.

فالإضمار مقصود، والسرد موجود، غيّبه الحرف المحذوف.

2-شكل إضمار كلمة أو عبارة:

هذا النوع من الإضمارية يصدر عن النص القرآني بحيث أضحى يعاين الوقائع ويرصدها، ولكن ليس بالصورة التقليدية التي تعتمد على الحكي المباشر، بل يذكر جزءاً من السرد ويخفي الآخر، الأمر الذي يجعل ذهنية القارئ تنشط وتتحرك نحو الإبداع وذلك بالتفكير في إتمام السرد. فكأن النص ذا السرد الإضماري تدمير لقواعد الحكيّ الموروثة عن الأعمال السردية المشهورة.

إن صور إضمار كلمة أو عبارة، يشيع كثيرا في القرآن، من ذلك قوله تعالى حَتَى إِذَا جَاءُوَها وفُتِحَتْ أَبْوَابُها وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلاَمٌ عَلَيْكُم ( ) بحيث "جعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهد، وتركت النفوس تقدر ما شأنه"( ).

إن المضمر –هنا- جواب الشرط غير الجازم، ولعله يتمثل في أن الجنة لما فتحت أبوابها دخلها المؤمنون فأدهشهم المشهود من أشجار وثمار وأنهار وحور عين وغيرها.. وما لم يخطر على قلوبهم.

غير أن الإضمار هنا مقصود بغية تحقيق المتعة عند القارئ، وذلك بما يشي به النص المفتوح على الإفضائية، وبما للقارئ من قدرة على تذوق النص القرآني والمشارك في تتبعه وإتمام سرديته.

وهو عمل ألفيناه حاضرا في القصة والرواية. من ذلك وجدنا "دوس باسوس الأمريكي في حذفه كثير من الأحداث الهامة تاركا للقارئ استنتاجها والنفوذ إلى أهدافه من وراء إضمارها على هذا النحو"( ).

وعسى أن يكون القصد من وراء هذا الإضمار، هو تحقيق الشراكة المرغوبة جدّاً بين النص وبين المتلقي.

فالسرد الإضماري – في حقيقته- استحضار للحالة الشعورية لدى القارئ، وهو بهذه الصورة يعتبر سرداً (إيروسيا) أي نصاً مثيراً للمتعة والفضول بحيث يفتح شهية الاستكشاف والمساءلة والافتراض. إنه سرد يسعى إلى تأسيس رؤية نقدية تتحسس تموضع القارئ.

وفي سياق السرد الإضماري يشير حازم في منهاج البلغاء "إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عليه"( ). لأن المباشرة السردية ما هي إلا تعطيل لذهنية المتلقي وتجميدها لأن "التعبير الواضح لا يوحي بحقيقة التجربة، لأنه لا يقبض إلا على مظهرها الزائف"( ).

وفي قوله تعالى: وَلَقد جَاءَتْ رُسُلَنا إِبْرَاهِيمَ بالبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ. فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعجْل حَنِيذٍ( ) نموذجية أخرى للسرد الإضماري، بحيث يظهر واضحاً فيها.

فكلمة (حنيذ) من المقطع القصصي هذا ينضوي وراءها سرد طويل يمكن استحضاره، كأن نقول: الكرم شِمَة من شيّم الأنبياء، فبمجرد أن حلّ الضيوف على إبراهيم عليه السلام، بادر إلى إكرامهم باستقدام عجل سمين، قرّبه إليهم وحثهم على الأكل منه..

فكلمة (حنيذ) تشي بدلالات كثيرة كالجود ونوعيته والسرعة في تقديمه.

وعموماً يترك أمر السرد الإضماري للقارئ ليستجليه ويشارك فيه، الأمر الذي جعله يتقاطع مع الرواية الجديدة في أبعادها النقدية التي تجعل القارئ مرتكزاً لها. لأن "الانبتار في الحديث في الأعمال السردية الحداثية، ولا سيما في الرواية الجديدة، من الأصول الفنية الواعية التي يراد بها إلى الدس للقارئ إلى إعمال فكره حين يقرأ"( ).

ومثل هذا الكلام يقال في قوله تعالى فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فكلمة (يترقب) توحي من أن موسى كان خائفاً مذعوراً يتلفت يميناً وشمالاً، بين حركة وتوقف بين سرعة وتباطؤ.

ويمكن إدراج حذف أربعة مفعولات بقصدية إفهامية إشراكية، تفعّل ذهن القارئ وتنقله من عالم التلقي السالب، إلى عالم المفاعلة والإبداع والغور إلى ما وراء النص.

يظهر هذا في قوله تعالى وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُوِنِهمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قالَتا لا نَسْقي حتَى يُصْدِرَ الرِعَاءُ.. فسَقَى لَهُمَا...

وكان يمكن تصور العبارة كاملة دون حذف كما يشير إلى ذلك الجرجاني بقوله: "وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما"( ).

فالقارئ –هنا- يشارك بفعالية لإضاءة الجوانب التي أخفاها السرد الإضماري وقد يذهب الذهن إلى وصف المشهد وإعطائه هالة وصفية تحيل على ديكور تدافع إليه الناس، الكل يسعى للانتهاء من السقي، وعلى هامش هذه الحركة وهذا التدفق الهائل الذي تصنعه الماشية والرعاء توجد امرأتان على مقربة من البئر، وهما في تلهف لقضاء حاجتهما من السقي، وهما في إبعاد مستمر لغنمهما، وهكذا.

كل هذا غاب واستحضره الرصيد الذاكراتي للقارئ وهي الغاية المنشودة.

ولعل النص القرآني بتقنية الإضمار هذه يحاول أن يسمو بالقارئ، بأن يجعله قارئاً متجاوزاً مرتحلا، لا يكتفي بالجاهز بل يبحث عن التأويل والاستكشاف بغية الوصول إلى أعماق النص بل واستشراف آفاق جديدة مدسوسة في ثناياه.

وعسى أن يكون هذا ما جعل النص القرآني يتماس في كثير من الرؤى مع ما يسمى بالرواية الجديدة.



تم نقل الكتاب بفضل الله وعونه ويليه قائمة بالمصادر والمراجع..
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#41  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأربعاء إبريل 22, 2009 4:22 pm

قائمة المصادر والمراجع

كتاب الله

قرآن كريم: برواية ورش عن الإمام نافع- وحدة الرغاية- الجزائر- 1984.

كتب التفسير

-الزمخشري محمود جار الله: الكشاف – دار المعرفة – بيروت- لبنان.
-السيوطي جلال الدين: تفسير الجلالين- دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان.
-الصاوي أحمد: حاشية العلامة الصاوي على تفسير الجلالين- دار الفكر- بيروت
-الطبرسي أبو علي الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن- دار مكتبة الحياة بيروت لبنان
-الطبري أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن- دار المعرفة- بيروت- 1987
-القرطبي أبو عبد الله: الجامع لأحكام القرآن- مطبعة دار الكتاب- القاهرة – 1966
-قطب سيد: في ظلال القرآن: دار الشروق- الطبعة الشرعية السابعة – 1978.
-ابن كثير الحافظ عماد الدين: تفسير القرآن العظيم –دار الفكر – بيروت ط2- 1970
-المراغي أحمد مصطفى: تفسير المراغي –مصطفى البابي الحلبي وأولاده- مصر- 1972.


-ابن الأثير ضياء الدين: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر –تحقيق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانة –دار الرفاعي –الرياض –ط2- 1983
-أحمد أمين: فجر الإسلام- دار الكتاب العربي- بيروت ط10 1969
النقد الأدبي- دار الكتاب العربي- بيروت ط3- 1967

-أدونيس: الثابت والمتحول (صدمة الحداثة)- دار العودة بيروت ط4-1983
الشعرية العربية- دار الأداب بيروت ط1- 1985
صدمة الحداثة –دار العودة بيروت ط1 1978 ط2 1979
-أفنان القاسم: البطل في القصة العربية المعاصرة – الدار البيضاء 1984
-اليزابيت درو: الشعر كيف نفهمه ونتذوقه- ترجمة د. إبراهيم الشوطي منيمنة بيروت 1961
- إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر –مطبعة الأنجلو المصرية 1952
-إليا حاوي: فن الوصف وتطوره في الشعر العربي- دار الكتاب اللبناني بيروت 1967
-الباقلاني أبو بكر محمد: إعجاز القرآن –تحقيق السيد أحمد صقر- دار المعارف- مصر- ط2
-بكري شيخ أمين: التعبير الفني في القرآن –دار الشروق ط4 1980
-التبريزي: شرح القصائد العشر- إدارة الطباعة المنيرة – 1352 هـ
-التوحيدي أبو حيان: الإمتاع والمؤانسة –مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1939
-تهامي نقرة: سيكولوجية القصة في القرآن –الشركة التونسية للتوزيع تونس 1974
-تودوروف تزفيطان: الشعرية –ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة دار توبقال ط1 1987
-الجاحظ أبو عثمان: البيان والتبيين- دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان – 1968
الحيوان –مكتبة محمد حسن النوري- مكتبة الطلاب وشركة الكتاب اللبناني بيروت 1968
-جانها بنزجون: الإنسان (عرض للثقافة الإفريقية الحديثة) ت. عبد الرحمن صالح –الدار القومية
-الجرجاني عبد القاهر: دلائل الإعجاز – تحقيق وشرح محمد عبد المنعم خفاجي- مطبعة الفجالة الجديدة –القاهرة –ط1-1967
-جولد زيهر: مذاهب التفسير الإسلامي
-جوليوس بروتنوي: الفيلسوف وفن الموسيقى- ت. فؤاد زكريا- الهيئة المصرية العامة للكتاب
-حلمي المليجي: علم النفس المعاصر- دار المعرفة الجامعية ط5- 1983
-حمر العين خيرة: جدل الحداثة في الشعر العربي المعاصر- بحث مجيستير جامعة وهران 1995.
-حنفي عبد الحليم: أسلوب السخرية في القرآن – الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة الأولى 1978
-خالد أحمد أبو جندي: الجانب الفني في القصة القرآنية – دار الشهامة للطباعة والنشر باتنة
-خالدة سعيد: حركية الإبداع –دراسات في الأدب العربي الحديث- دار العودة بيروت

-ابن رشد: فصل المقال- تقديم وشرح د. أبو عمران الشيخ وجلول البدوي- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.
-ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وأدبه ونقده- مطبعة السعادة مصر- ط3- 1963
-روجي غارودي: البنية فلسفة موت الإنسان –دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت ط1- 1985
-ريتا عوض: أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي المعاصر- ط1 1978
-الزركشي بدر الدين: البرهان في علوم القرآن – تحقيق أبو الفضل إبراهيم – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – ط3-1980
-سعيد الغانمي: أقنعة النص- دار الشؤون الثقافية بغداد 1991
-سلوم تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي- دار الحوار للنشر ، اللاذقية سورية
-سليمان عشراتي: أدبية الخطاب القرآني –بحث دكتوراه جامعة وهران 1990-1991
-سهير القلماوي: النقد الأدبي- دار المعرفة
-السيوطي جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن – دار الفكر بيروت
المزهر في علوم اللغة وأنواعها –المكتبة العصرية- صيدا بيروت 1987
لباب النقول في معرفة أسباب النزول- المؤسسة الوطنية للكتاب ط3 1984
-شايف عكاشة: نظرية الأدب في النقدين الجمالي والبنيوي في الوطن العربي- نظرية الخلق اللغوي – د. م. ج
-شكري عياد: دائرة الإبداع- دار إلياس العصرية القاهرة ط1 1986
موسيقى الشعر العربي- دار المعرفة بمصر 1968
-شوقي ضيف: في النقد الأدبي- دار المعارف مصر 1962
-صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن –مطبعة جامعة دمشق ط2
-صلاح عبد الفتاح الخالدي: نظرية التصوير الفني عند سيد قطب دار الشهاب باتنة 1988
-طه وادي: دراسات في نقد الرواية –الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ط1 1980
-طول محمد: البنية السردية في القصص القرآني – د.م.ج 1991
-عبد الحميد جيدا: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر- مؤسسة نوفل 1980
-عبد الرحمن البرقوقي: شرح ديوان المتنبي- دار الكتاب العربي
-عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة- مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني – بيروت 1979
-عبد الرؤوف مخلوف: الباقلاني وكتابه الإعجاز في القرآن- دار مكتبة الحياة- بيروت 1978
-عبد السلام المسدي: الأسلوبية والأسلوب- الدار العربية للكتاب ط2 1982
عبد الفتاح صالح نافع: عضوية الموسيقى في النص الشعري- مكتبة المنار الأردن ط1 1985
-عبد الله إبراهيم وجماعة: معرفة الآخر (مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة) المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط1 1990
-عبد الله حنفي: أسلوب المحاورة في القرآن –الهيئة المصرية العامة للكتاب ط2 1985
-عبد الملك مرتاض: -ألف ليلة وليلة دراسة سيميائية لحكاية حمال بغداد- د. م. ج 1983
-دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة "أين ليلاي" لمحمد العيد آل خليفة د. م. ج 1983
-شعرية القصيدة –قصيدة القراءة (تحليل مركب لقصيدة أشجان يمنية) دار المنتخب بيروت ط 1 94
-القصة الجزائرية المعاصرة د. م. ج 1990
-النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟ د. م.ج 1983
-عدنان زرزور: القرآن ونصوصه- مطبعة خالد بن الوليد 1980
-عز الدين إسماعيل: الأدب وفنونه- دار الفكر العربي ط6
الأسس الجمالية في النقد العربي- دار الفكر العربي ط2 1968
الشعر العربي المعاصر – دار الثقافة ودار المعرفة بيروت 1973
-العسكري أبو هلال: كتاب الصناعتين- عيسى البابي الحلبي وشركاه- ط2 1971
-عفيفي عبد الفتاح طبارة: مع الأنبياء- دار العلم للملايين بيروت ط8 1980
-غالي شكري: أزمة الجنس في الرواية العربية
-القاضي الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه- طبعة صبيح 1948
-ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن –شرح ونشر السيد: أحمد صقر- المكتبة العلمية بيروت ط3 1981
-القرطاجني أبو الحسن حازم: منهاج البلغاء وسراج الأدباء –تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة- دار الغرب الإسلامي –بيروت ط2 1981
-قطب سيد: التصوير الفني في القرآن –دار الشروق ط7 1982
-الكلاعي أبو القاسم: أحكام صنعة الكلام –تحقيق محمد رضوان الداية- دار الثقافة بيروت 1966
-كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي- دار العلم للملايين بيروت ط2 1981
في البنية الإيقاعية للشعر العربي- دار العلم للملايين بيروت ط2 1981
-كمال العيد : فلسفة الفن والأدب –الدار العربية للكتاب ليبيا- تونس 1978
-لوسيان جولدمان: الرواية والواقع –ت. رشيد بن حدو
-مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية –ت. عبد الصبور شاهين- دار الفكر 1981
-مايكل ريفاتير: أنظمة العلامات (مدخل إلى السيميوطيقا)
-المبرد أبو العباس محمد بن يزيد: الكامل في اللغة والأدب- مكتبة المعارف بيروت
-محمد أركون: قراءات القرآن
-محمد بنيس: ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب (مقارنة بنيوية تكوينية)- دار العودة بيروت 1979
-محمد حسن فضل الله: الحوار في القرآن- دار المنصوري للنشر قسنطينة الجزائر
-محمد السرغيني: محاضرات في السيميولوجيا –دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء 1987
-محمد سلام زغلول: دراسات في القصة العربية الحديثة
-محمد عابد الجابري: نحن والتراث (قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي)- المركز الثقافي العربي ط5 86
-محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم –دار القلم الكويت 1957
-محمد الغزالي: فقه السيرة- مكتبة رحاب الجزائر ط2 1988
نظرات في القرآن – دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة الجزائر 1986
-محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث- دار الثقافة- دار العودة بيروت 1973
-محمد كامل حسن المحامي: القرآن والقصة الحديثة- دار البحوث العلمية ط1 1970
-محمد متولي الشعروي: المختار من تفسير القرآن –دار الشهاب باتنة
-محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية النص) المركز الثقافي –المغرب ط2 1986
مجهول البيان –دار توبقال ط1 1990
-مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – دار الكتاب العربي- بيروت ط3 تاريخ آداب العرب- دار الكتاب العربي- بيروت ط2 1974
-مصطفى محمود: القرآن محاولة لفهم عصري- دار العودة بيروت 1979
من أسرار القرآن – دار العودة بيروت
-ابن منظور: لسان العرب- طبعة مصورة عن طبعة بولاق- الدار المصرية للتأليف والترجمة – دار صادر بيروت
-ميشال بوتور: بحوث في الرواية الجديدة – ت . أنطونيوس- منشورات عويدات بيروت ط1 81
-نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر- مكتبة النهضة بغداد 1965
-نجيب الكيلاني: الإسلامية والمذاهب الأدبية.
-يمنى العيد: في معرفة النص- دار الآفاق الجديدة بيروت ط1 1983

-الهاشمي أحمد: جواهر البلاغة- دار الفكر- بيروت 1978
-ابن هشام الأنصاري: شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب- مطبعة السعادة ط8 1960

الدوريات

-أحمد بومدين: زمن الصراع في صراع الزمن- يومية الخبر 12/6/93
-إمبرطوإيكو: الاستعمال والتأويل (القارئ النموذجي) ت. أحمد بو حسن مجلة آفاق اتحاد الكتاب المغرب ع8/9/1988
-بركات لزوم: قراءة في نص "يتوهج كنعان" –يومية الجمهورية 25/9/1988
-حسين خمري: سيميائية الخطاب الروائي- تجليات الحداثة م.ل.ع آ. جامعة وهران ع3 1994
-د. حمودي: الدراسات اللغوية عند العرب- محاضرة في اللغة جامعة وهران 81-82
-خالدة سعيد: مجلة فصول ع3 1984
-سليمان عشراتي: الأدب العربي والرواية الجديدة – تجليات الحداثة جامعة وهران ع3 1994
-عبد الله محمد الغذامي: لماذا النقد الألسني؟- تجليات الحداثة ع2
-سعد الله ونوس: بين الحداثة والتحديث- مجلة قضايا وشهادات (عدد خاص بالحداثة) ع1 مؤسسة عبال الدار البيضاء 1990
-عبد الفتاح المصري: العرب واللسانيات –مجلة الموقف الأدبي ع 117 اتحاد كتاب العرب دمشق 81
-عبد الملك مرتاض: تعددية النص (نظرية النقد ونظرية النص – مجلة كتابات معاصرة ع1 1981
الزمان في الألغاز الشعبية الجزائرية في التراث الشعبي ع8 بغداد 1980
بنية السرد في الرواية الجديدة- تجليات الحداثة جامعة وهران ع3 1994
محاضرة حول سورة الرحمن- م. ل. ع. آ. جامعة وهران 1992
-غريغوري غاتشف: الوعي والفن – سلسلة عالم المعرفة الكويت 1990
-كرومي لحسن: حول بعض المفاهيم في الرواية الجديدة –تجليات الحداثة جامعة وهران ع3 1994
-محمد برادة: اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة –مجلة فصول ع 3 1984
-محمد جمال باروت: تجربة الحداثة ومفهومها –مجلة قضايا وشهادات عدد خاص بالحداثة) ع 1 مؤسسة عبال الدار البيضاء 1990
-محمد سعيدي: حركية الشخصية في الرواية الحديثة –تجليات الحداثة جامعة وهران ع3 1994
-محمد عابد الجابري: الحداثة طريقنا الوحيد إلى العصر- يومية الخبر 19/4/94
-مختار حبار: سيميائية الخطاب الشعري عند الصوفية- تجليات الحداثة جامعة وهران ع 2 1992

-جماعة من الكتاب: يومية الجمهورية 6/10/93


-----------


-A.Gide: Journal Des faux Monnoyeurs.
-A.J Greimas & J.J Courtes: Semiotique dictionnair raisnne Hachette 1979
-Alain Robbe Grillet: pour un nauveau romman Ed. Gallimard paris 1969
-Bremond: logique du recit. Seuil 1973
-N. Sarroute: Ce que je recherche a faire in nauveau Roman Hier aujourdhui I- II
-R.Barthes: Elements de semiologie- Denoel Gouthier paris 1965
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#42  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأربعاء إبريل 22, 2009 4:27 pm

الخاتمة:

إن دراستي لمستويات السرد الإعجازي في القصة القرآنية تستند في طروحاتها إلى مرجعية تراثية من جهة اعتماد المنقول في مدارسة القص القرآني، ومرجعية حداثية من جهة تفعيل المناهج القرآنية الإجرائية الغربية بغية إحداث تكامل بين المتأصل والوافد.

إن المعطى القصصي القرآني تتنزل أدبيته لتؤسس الفعل القرآني بدءاً بأول جملة فعلية تأصيلية ناهضة على الأمرية والإلزامية. ومذ ذاك كتب لتواصلية لغوية أن تستمر في التبليغ ومقارعة الأسماع واحتضان كل ذي ذائقة جمالية تنزع إلى الجميل في كل شيء بما تهيأ لها من صفاء روحي وتجريد ذهني مرتبطين إلى حد كبير بالمنحى الروحي المركوز في وجدانها.

فالقص القرآني بمقتضى فعل اقرأ المحمول على الإنسان والمحيل على الله يغتدي نمطية تبليغية إفضائية تجعل كل من يشتغل في حقلها (قراءة وتنظيراً) في مقام التبليغ.

ولعلها أول نتيجة جامعة مستخلصة من هذا الكتاب بحكم أنه –في جوهره- دعوة إلى قراءة القصة القرآنية بأدوات إجرائية قرائية جديدة.

ويمكن استخلاص أهم النتائج من خلال فصول هذا الكتاب والتي جاءت على الشكل الآتي:
-في الفصل الأول الموسوم ب: السردية القرآنية وبناء الشخصية، وجدنا أن البنية السردية هي المسهمة في بناء الشخصية فنياً ومادياً.

الشخصيات في القصة القرآنية –بأحداثها وتحركاتها –إنما تسخر لبناء الشخصية المحور.
ملمح بناء الشخصية الرئيسية في النموذج السردي الأول في صورمبعثرة، مما يدفع المتلقي إلى القراءة والتأمل والتحيين بغية جمع هذه الأشلاء للوصول إلى خصيصة البناء، وهي نتيجة من نتائج نظرية التلقي الآن، يكون القرآن قد أصلها.

من النتائج الهامة أننا وصلنا إلى نمطية جديدة من الشخصيات يمكن تسميتها (الشخصية الحيز) وتتجسد في شخصية فرعون الغائبة الحاضرة التي تعاين وقائع وترصدها من طرف خفي.

-نموذجية السرد الدائري تنجلي بوضوح، حيث الإنطلاقة من الكوخ والعودة إليه.

-تقنية غياب أسماء الشخصيات –والتي تحتفي بها السردية الجديدة- وجدناها حاضرة في النص القرآني القصصي.

-نجد الأحداث، هي التي تصنع البطل في بعض تمظهرات القصة القرآنية.

-الشخصية الوحي، يكون بناؤها دائماً بإشراف السارد المحيل على الله.

إن الفصل الثاني المعنون ب: مكونات السرد في الخطاب القرآني القصصي كان يهدف إلى الوقوف على هذه المكونات، انطلاقاً من قصة الوليد بن المغيرة من خلال المقاطع الأولى من سورة القلم.

ولعل النتيجة الأولى المستخلصة هي ضرورة ترشيد القراءة التأويلية لما لها من قدرة على محاورة النص القرآني واستجلاء مكبوتاته النصية من جهة، ولما لها من وظيفة استدعائية تجاه المتلقي من جهة أخرى.

-النتيجة الثانية تظهر في المكون الأول المعنون ب: المكون الإيقاعي . وفيه تعرفنا على الإيقاع القرآني الذي رأينا أنه يتميز بأنماط إيقاعية متنوعة تعتمد على الحركة، الحرف، الكلمة.

-التشاكل والتباين مقومان سيميائيان وجدناهما حاضرين في هذا النموذج الإيقاعي القرآني.

-السرد الإضماري، أو تقنية الإيعاز، ليست مقصورة على السردية الجديدة.

-استخدام ثنائية الهدم والبناء – في الشخصية القرآنية- وكيف يغتدي الهدم بناء والعكس.

التعرف على زمنية جديدة انفرد بها الأسلوب القرآني، اصطلحنا على تسميتها بالزمن العقابي، الثوابي، والساخر.

في المكون الشخصاني اتضح أن كل عقيدة تنبني على أسس واهية مآلها إلى الزوال.

أما في الفصل الثالث الموسوم ب: مستويات السرد في القصة القرآنية فإننا نتعرف على أنواع سردية منها ما هو متداول في المنظومة النقدية، ومنها ما هو جديد سوغته قراءة اجتهادية، كالسرد الإضماري والإنشادي.

-الإنشادية ظاهرة سردية تساق لأغراض معينة يمليها النص القرآني ويصوبها بعناية.

-توظيف السرد الدائري في القصة القرآنية توظيفاً واعياً.

-السرد المشارك في الأسلوب القرآني، يكون مستقطباً- غالباً- من قصتين في قصة واحدة، وهي خصيصة وتقنية انفرد بها المتن القرآني في معطاه القصصي.
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#43  مشاركةبواسطة KHOLIO » الأربعاء إبريل 22, 2009 4:38 pm

صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#44  مشاركةبواسطة KHOLIO » الخميس يوليو 08, 2010 7:14 pm

رفع
صورة العضو الشخصية
KHOLIO
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 4173
اشترك في: الجمعة يوليو 04, 2008 8:57 pm
مكان: يقولونَ مـِصر
الجنس: ذكر

Re: مستويات السرد الإعجازي فـي القصــة القرآنيــة /شارف مزاري

رقم المشاركة:#45  مشاركةبواسطة Ashraf2012 » الخميس يوليو 08, 2010 10:44 pm

يا عم خوليو
هذا الموضوع المفروض يكون في ساحة القراءات
لو تريد موضوع هنا يجب أن يكون من بنات أفكارك وليس من بنات أعمامك.
صورة العضو الشخصية
Ashraf2012
مشترك ألماسي
 
مشاركات: 1447
اشترك في: الثلاثاء فبراير 17, 2009 11:07 pm
مكان: مصر
الجنس: ذكر

السابقالتالي

العودة إلى الأديان

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 50 زائر/زوار

Site Login