تلخيص لكتاب الأنا والهُو لسيجموند فرويد
الزملاء الكرام لقد قمت بتلخيص هذا الكتاب لسيغموند فرويد لما فيه من معلومات قيمة
الأنا وَ الهوَ - تلخيص
المقدمة :
كان اهتمام العلماء قبل ظهور مدرسة التحليل النفسي متركزاً على دراسة الظواهر العقليّة الشعوريّة , فلم يهتمُّوا بالعمليّات العقليّة اللاشعوريّة التي تُحرِّك سلوك الإنسان و تدفعهُ للقيام بالنشاطات المختلفة . و يرجع الفضل إلى سيغموند فرويد , مُؤسس مدرسة التحليل النفسي (1856-1939) , في اكتشاف الحقيقة الهامة , و هي أن جزء كبير من حياتنا العقليّة لاشعوريّ . و لهُ تأثير كبير على سلوكنا و مشاعرنا , في الناحية السويّة أو فيما نتعرَّض له من اضطرابات نفسيّة .
-الفصل الأوّل-
نظريّة اللاشعور :
يرجِع تاريخ اكتشاف فرويد للاشعور و أهميته في حياة الإنسان إلى وقت اشتغالهِ بدراسة الهستيريا , بالاشتراك مع جوزيف بروير (1841-1925) , أحد أطباء فيينا المشهورين , و اتَّضحَ لهما أثناء الدراسة أن الأعراض الهستيريّة تنشأ عن ذكريات مكبوتة في اللاشعور و هذه الأعراض تزول إذا استطاعَ المريض تذكّر هذه الذكريات (الأحداث) أثناء العلاج .
و لم يكن من السهل أن يقتنع الفلاسِفة بفكرة (العقل اللاشعوري) , كما يقول فرويد ,التي كانت برأيهم تُناقِض المنطِق . فلا بُدَّ أن يكون العقل شعوريّاً , و في هذا الكتاب نجد تعديلاً بآراء فرويد , فيما يتعلَّق باللاشعور و علاقته بأجزاء الجهاز النفسي , عن مؤلفاتِهِ الأولى . و من المعروف أن فرويد كثير التعديل و التغيير لآرائه و نظريّاتهِ على ضوء ما كانت تكشُفهُ لهُ ملاحظاته و أبحاثه من معلومات جديدة .
نظريّة الجهاز النفسيّ :
برأي فرويد , هناك ثلاث أقسام للجهاز النفسي , و هي : الشعور و ما قبل الشعور و اللاشعور .
الشعور: هو ذلك القسم من العمليات النفسيّة التي نشعر بها دون و نُدركها , و من المشاهد أن العمليّات النفسيّة الشعوريّة لا تكون سلسلة متَّصلة , بل يوجد فيها دائماً الكثير من الثغرات و الفجوات , و أن تفسير هذه الثغرات يعود بالرجوع إلى العمليّات النفسيّة التي تجري في القسمين الآخرين من العقل و هُما : (ما قبل الشعور) و (اللاشعور) .
إنّ الشعور حالة وقتيّة -(مؤقتة)- و ليست دائمة , قد تظهر فيها الفكرة لفترة قصيرة ثم تختفي , و بإمكانها الظهور مرة أخرى إذا توافرت شروط معيّنة . عندما تبتعد الفكرة عن الشعور لحينٍ ما , فهي تكون موجودة في قسم معيَّن من الجهاز النفسيّ (ما قبل الشعور) , و يقع في مكان متوسِّط بين الشعور و اللاشعور .
يحوي اللاشعور الدوافع الغريزيّة البدائيّة الجنسيّة و العدوانيّة ’ و التي غالباً ما تُكبَتْ في مجتماتنا المُتحضِّرة , تحت تأثير المعايير الخُلقيَّة و الدينيّة و الاجتماعيَّة التي ينشأ فيها الفرد . و تنزع الدوافع و الرغبات المكبوتة في اللاشعور إلى الإشباع و الظهور في الشعور , و كثيراً ما تلجأ , في سبيل ذلك إلى طرق شاذّة و مُلتوية كما يُشاهَد مثلاً في الأمراض العصبيَّة .
و ذهب فوريد في كتاباتِهِ الأولى إلى أنَّ كبتَ هذه الدوافع الغريزيّة الموجودة في اللاشعور , يتم على يد الرقيب (القوة النفسيّة) , و مهمتها منع ظهور الدوافع الغريزيّة اللاشعوريّة في الشعور , و أنَّ المريض لا يشعُر بها و إذا وُوجِهَ بها , أنكرها و إذا شعرَ بها فلا يستطيع أن يعرِف ما هي و ما هو مصدرها .
(الهُوَ) هو القسم الذي يحوي ما هو موروث و موجود منذ الولادة و ثابت في تركيب البدن , و يحوي الغرائز و العمليات النفسيّة المكبوتة التي فصلتها المقاومة عن الأنا , فالهو يحتوي على جزء فطري و جزء مكتسب .
يُطيع الهو مبدأ اللذة و لا يُراعي المنطِق أو الأخلاق أو الواقع , و اللاشعور هو الكيفيّة الوحيدة التي تسود في الهوَ . و تحت تأثير العالم الخارجي عن طريق جهاز الإدراك الحسي و الشعور , تغيَّر الجزء الخارجي من الهو و نما و أكتسبَ خصائص معيَّنة أطلق عليها اسم (الأنا) و هي تُشرِف على الحركة الإداريّة و تقوم بمهمة حفظ الذات و تقبِض على زمام الرغبات الغريزيّة التي تنبعث من الهو , فيقوم بإشباع ما يشاء و يكبت ما يرى ضرورة كبته مُراعياً (مبدأ الواقِع) . يُمثّل الأنا الحكمة و سلامة العقل على خلاف الهوَ الذي يحوي الانفعالات , و تَقع العمليات النفسية الشعورية على سطح الأنا .
الأنا الأعلى أو الأنا المثالي (ما يُعرَف بالضمير) : و هو الأثر الذي يبقى في النفس من فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الطفل معتمداً على والديه و خاضِع لأوامرهم . تتقمَّص الأنا هؤلاء الأشخاص من مدرسين و أهل و تتحوَّل سلطة هؤلاء إلى سلطة داخليَّة في نفس الطفل تُراقِبه و تصدر إليه الأوامر .
و الأنا الأعلى , تُمثل ما هو سامِ في الطبيعة الإنسانيّة (فهو الذي يُمثل علاقتنا بوالدينا و قد عرفنا هذين الكائنين الساميين حين كنّا أطفال صغار و قد أعجبنا بهما و خشيناهما ثم تمثلناهما في أنفُسِنَا ).
بهذا , تُصبح مهمة الأنا شاقة و دقيقة , فيجب عليه مُراعاة السُلطات الثلاث و هي : العالم الخارجي و الهو و الأنا الأعلى , و يُحاول الأنا دائماً أن يوَفق بينها و إذا فشِل , تنشأ الاضطرابات العصبيّة و الذهنيّة .
نظريّة الغرائز :
رأى فرويد أن جميع الظواهر النفسيّة الشعوريّة و اللاشعوريّة , سواء كانت سويّة أو مرضيّة , تصدُر عن قوى أساسيّة , تنبعِث عن التركيب الفسيولوجي و الكيميائي للكائن الحي , تُسمَّى غرائِز و هي الطاقة التي تصدُر عنها جميع ظواهر الحياة .
في بادئ الأمر , فسَّر فرويد أن جميع الظواهر النفسيّة بافتراض مجموعتين أساسيّتين من الغرائز :
- مجموعة أولى : هي غرائز جنسيّة تصدر عن طاقة خاصّة تُسمّى الليبدو (Libido) , تهدف إلى الإشباع و اللذة .
- المجموعة الثانية : هي (غرائز الأنا) , مهمتها حفظ الذات و ذلك بمراعاة العالم الخارجي و مُقتضيات الواقع , و كبت الدوافع الجنسيّة التي تتعارض مع مقتضيات الواقع من جهة, أو مع وظائف غرائز الأنا من جهة أخرى .
تعمل الغرائز وفق مبدأ اللذة , فليس الواقع الغريزي إلا ناتجاً عن حالة من التوتر ينتج عنهُ إحساس بالألم , و يهدف الدافع الغريزي إلى خفض هذا التوتر أو إزالتهِ , و عندما ينخفض التوتر أو يزول , يحدُث الشعور باللذة .
اتخذ فرويد مبدأ اللذة أساس يفسر به الظواهر النفسيّة المختلفة كما الأعراض العصبيّة , و هنا واجهَ فرويد صُعوبات في تفسير بعض الظواهر النفسيّة , فلم يكن من السهل الملائمة بين نظريته السابِقة في الغرائز و بين النرجسيّة و هي ظاهرة تُعبّر عن حب الإنسان لنفسه و عشقهُ لذاته , و هذه الظاهرة تدل على أن الغريزة الجنسيّة لا تتعلق فقط بالأهداف الجنسيّة الخارجيّة , و إنما تتعلق بالذات أيضاً و تتخذها هدفاً لها .
و قد دفع ذلك فرويد إلى القول أن ليبدو الطفل (طاقته الجنسيّة) , معلّقة بذاته و جميع اللذات التي يشعر بها تصدُر من بدنه الخاص , و الأشياء الخارجيّة التي تسبب له شيء من اللذة هي جزء من بدنُه .
ثمَّ تبدأ الموضوعات الخارجيّة تتميّز في نظر الطفل شيئاً فشيئاً , و قد يستمر (حب الذات) جنباً إلى جنب مع حب الموضوع .
و قد شاهد أيضاً أن المرضى يُظهِرون ميل شديد إلى تكرار خبراتهم المؤلمة السابِقة , و استنتجَ فرويد وجود دافع غريزي سمّاه (إجبار التكرار) , و اعتبَرَهُ دافعاً غريزياً أكثر بدائيةً و فطريّة من مبدأ اللذة و يُناقِضهُ , فالمريض لا يحصل على أي لذة من تكرار الخبرات المؤلمة القديمة .
و أثناء الحرب العالميّة الأولى , اكتشفَ ظاهِرة جديدة أيّدت رأيه في مبدأ (إجبار التكرار) تُسمّى (أعصاب الصدمة) , فقد لوحِظَ أن الجنود الذين تعرَّضوا لصدمات أثناء القتال , يُكررون الخبرات المؤلمة في أحلامِهم . و كانت الأحلام بالنسبة لفرويد , وسائل لإشباع الدوافع المكبوتة , و كل إشباع بالطبع يؤدي إلى لذة!
اضطرّ فرويد أمام هذه الحقائق التي ناقشها في كتابه (ما فوق مبدأ اللذة) , أن يقول بوجود ميل غريزي و هو غريزة الموت , يدفع الكائنات إلى الرجوع إلى الحالة الغير عضويّة السابقة للحياة , و تهدُف غريزة الموت إلى الهدم و إنهاء الحياة . وإذا اتَّجهت هذه الغريزة إلى الخارج , ظهرت في صورة رغبة في العدوان و التدمير . تهدف غريزة الموت إلى تفتيت الذرات و تفكيك الارتباطات , أي أنها تهدف إلى هدم الأشياء و إنهاء الحياة .
مقابل غريزة الموت هناك غريزة الحب و الحياة إيروس(Eros) , و هي تهدف دائماً إلى استمراريّة الحياة . و تصبح الحياة صراعاً و حلاً بين هذين الاتِّجاهين .
من الأمثلة النموذجيَّة على إتحاد هاتين المجموعتين , الساديّة (التلذذ في إيلام الغير) و هي عِبارة عن إتحاد الغرائز الجنسيّة مع غرائز الهدم الموجهة نحو العالم الخارجي , و تنشأ الماسوكيّة (التلذذ في إيلام الذات) عن اتحاد الغرائز الجنسيّة مع غرائز الهدم الموجهة ضد الذات .
زيادة العدوان الجنسيّ من شأنِِهِ أن يجعل المُحِب قاتِلاً , و بينما يؤدي النقصان الكبير في العامل العدواني إلى الخجل أو فقدان القدرة الجنسيّة . قد تنفصل هاتان المجموعتان من الغرائز , فنُشاهد غريزة الموت تظهر بوضوح في نوبة الصرع في الكثير من الأمراض العصبية الشديدة كالأمراض العصبية القهريّة .
(ما فوق مبدأ اللذة)
الشُّعور و اللاشعور :
لفظ (شعوري) , من جهة أولى , هو لفظ وصفي بحت يعتمد على إدراك حسّي ذي طابع مباشر , و تُبيِّن الخبرة من جهة ثانية أن العنصر النفسي كالفكرة مثلاً لا يكون شعوريّاً دائماً . الفكرة التي تكون شعوريّة الآن لا تظل شعوريّة , و نستطيع أن نقول أن الفكرة كانت كامنة و نعني بذلك أنها (تستطيع أن تُصبح شعوريّة) في أي وقت .
السبب في أن مثل هذه الأفكار لا يُمكنها أن تصبح شعوريّة لأن هناك قوى معيّنة تُقاومها , و لولا ذلك لكان في إمكانها أن تصبح شعوريّة . و هناك حقيقة تجعل هذه النظريّة غير قابلة للرفض و هي أننا وجدنا في التحليل النفسيّ وسيلة يُمكن بها إزالة القوّة المُقاومة و جعل الأفكار المُقَاومة شعريّة , و نُسمي الحالة التي تكون فيها الأفكار قبل أن تُصبح شعوريّة بـ (الكبت).
إننا نستمد مفهومنا في اللاشعور من نظريّة الكبت و نعتبر المكبوت كنموذج للاشعور , و مع ذلك يوجد نوعان من اللاشعور . اللاشعور الذي يكون كامناً و لكنه يستطيع أن يُصبح شعوريّاً , و اللاشعور المكبوت الذي لا يستطيع بذاتِهِ و بدون كثير من العناء أن يُصبح شعوريّاً . فما هو (كامن و لا شعوري) بالمعنى الوصفيّ , و ليس بالمعنى الدينامي , فهُنا نُسمّيهِ (قبل الشعور) .
• يوجد في كل فرد منظمة دقيقة للعمليات العقليّة و قد سمَّيناها (الأنا) , و يشمُل هذا الأنا الشعور و يُشرِف على وسائل الحركة , أي تفريغ التهيُّجات في العالم الخارجي , و هو المنظمة العقليّة التي تُشرف على جميع العمليات العقلية , و هي التي تنام في الليل و مع ذلك تستمر بمراقبة الأحلام . يصدُر عنها أيضاً الكبت الذي تمنع بِهِ بعض نزعات العقل , لا من الظهور في الشعور و حسب , بل من الظهور في سائر الصور و النشاطات الأخرى .
تظهر هذه النزعات المكبوتة أثناء التحليل متعارضة مع الأنا , و المريض يجد الكثير من المشقّة حينما نُجابِهُهُ ببعض المهام أثناء التحليل . كما نرى تداعي أفكاره يتوقَّف كلما اقترب من الأشياء المكبوتة و لا يكون المريض متنبّه لتلك المقاومة . ثمَّ وجدنا في الأنا ذاته شيئاً لاشعوريّاً أيضاً و هو يتصرَّف كالشيء المكبوت , أي كشيء يُحدِث آثاراً بالِغة بدون أن يكون هو نفسه ظاهراً في الشُعور , و هو يحتاج إلى مجهود خاص قبل أن يستطيع الظهور في الشعور .
إننا نُدرِك أن اللاشعور لا يتطابق مع المكبوت و لا يزال صحيحاً أن كل ما هو مكبوت , لاشعوريّ , و لكن ليس كل ما هو لاشُعوريّ , مكبوت . فإن جزءً من الأنا لاشعوري و ليس هذا اللاشعور المُتعلِّق بالأنا كامناً مثل ما قبل الشعور , لأنه لو كان كذلك لما استطاع أن ينشط بدون أن يُصبِح شعوريّاً و لتمَّت عمليّة جعلِهِ شعوريّاً بدون أن تُلاقي مثل هذه المشقّة العظيمة . عندما نجد أنفسنا مضطرين إلى افتراض لاشعور ثالث لا يكون مكبوت , فمن الواجب أن نعترف أن خاصيِّة اللاشعور أخذت تفقد أهميّتها لأنها بدأت تُصبح كيفيّة , تستطيع أن تتضمَّن معاني كثيرة و مع ذلك لا يجوز نكران أهميتها , لأن كيفيّة الشعور أو اللاشعور هي شُعاع الضوء الوحيد الذي ينفذ إلى ظلام سيكولوجيّة الأعماق .
-الفصل الثاني-
الأنا و الهُوا :
الآن , قد أصبحت معرفتنا كلها بدون استثناء مرتبطة باللاشعور . و حتى معرفتنا باللاشعور , ليس من الممكن أن تتم إلا بجعلهِ شعورياً , و لكن كيف يمكن ذلك ؟ ما هو معنى قولنا (بجعلهِ شعوريّاً) ؟ و كيف يحدث ذلك ؟
الشعور هو سطح الجهاز العقلي , و قد جعلناهُ وظيفة لجهاز هو من الناحية المكانيّة أول ما يتصل به من العالم الخارجي (ما أثبتهُ البحث التشريحي).
إن جميع الإدراكات التي تصلنا من الخارج ( الإدراكات الحسيّة) , و من الداخل ما نسميها الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة, إنما هي شعوريّة من البداية . و لكن ما هو شأن تلك العمليات الداخلية التي قد نُطلق عليها في شيء من الغموض اسم (العمليات الفكريّة)؟! . إنها عبارة عن عمليات بديلة للطاقة العقليّة , تمّت في مكان ما داخل الجهاز أثناء اتجاه هذه الطاقة نحو الحركة . و لسنا ندري هل تقترب هذه العمليات الفكريّة من سطح الجهاز الذي يسمح حينئذ بحدوث الشعور , أم أنّ الشعور هو الذي ينتقل إليها ؟ و هذه إحدى الصعوبات التي تنشأ عندما يبدأ الإنسان بأخذ النظريّة المكانية للحياة العقليّة بصورة جديّة , و كِلا هذين الاحتمالين لا يمكن تخيُّله و لا بدَّ أن يكون هناك احتمال ثالث .
سبق أن افترضنا أن الفرق الحقيقي بين المعنى (أو الفكرة) اللاشعوري و المعنى قبل اللاشعوري , إنما يتلخص في أن المعنى الأول ينشأ من مادة تظل غير معروفة , بينما يكون المعنى الثاني قبل الشعور و , بالإضافة لذلك , مرتبطاً بعض الصور اللفظيّة . يبدو إذن أن هذا السؤال ( كيف يُصبِح المعنى شعوريّاً ؟) , يُمكن أن يُوضّح بطريقة أفضل , على هذه الصورة (كيف يُصبِح المعنى شعوريّاً ؟) . و يُصبِح الجواب هو : (بأن يرتبط بالصور اللفظيّة المطابِقة لهُ) , و هذه الصور اللفظيّة هي الآثار الباقية في الذاكِرة و قد كانت في وقتٍ ما إدراكات حسّيّة , و تستطيع مثل جميع الآثار الباقية في الذاكرة أن تُصبِح شعوريّة مرَّة أخرى .
إن ذلك الشيء الذي كان إدراكاً حسّيّاً شعوريّاً , هو وحدهُ الذي يستطيع أن يُصبِح شعوريّاً . و إن أي شيء يأتي من الداخل (ما عدا المشاعر الوجدانيّة) و يُحاول أن يُصبِح شعوريّاً , يجب أن يُحوِّل نفسه إلى إدراكات حسّيّة خارجيّة . و من الممكن أن يحدث ذلك عن طريق الآثار الباقية في الذاكرة .
إننا نتصوَّر الآثار الباقية في الذاكرة بأنها مُجاوِرة لجهاز الإدراك الحسّيّ-الشعوري مُباشرةً . و بذلك تستطيع الشحنات النفسيّة المتعلقة بهذه الآثار أن تمتد بسهولة نحو العناصر الموجودة بجهاز الإدراك الحسّيّ و الشعور . و نتذكّر هنا الهلاوس و أن أكثر الذكريات قوة تكون دائماً متميّزة عن كلٍ من الهلوسة و الإدراك الحسّيّ الخارجي , و بأنه عندما تعود إحدى الذكريات فإن الشحنة النفسيّة تظل باقية في جهاز الذاكرة , أما الهلوسة التي لا تكون متميّزة عن الإدراك الحسّيّ فلا تحدث بمجرّد امتداد الشحنة النفسيّة من الأثر الباقي في الذاكرة نحو عنصر الإدراك الحسّيّ فقط و إنّما بالانتقال إليهِ كليّاً .
تُستَمدّ الآثار اللفظيّة أولاً من الإدراكات السمعيّة و لِذلك كان لجهاز ما قبل الشعور مصدر حسّيّ خاص أما العناصر البصريّة من الصور اللفظيّة , فهي شيء ثانوي و تُكتَسب عن طريق القراءة و قد تلعب الصور الذهنيّة الحركيّة للكلمات دوراً ثانويّاً إلا في حالة الصم البكم , فأساس الكلمة هو فوق كل شيء الأثر الذي يبقى في الذاكرة عن الكلمة التي تُسمع .
لا يجب ان ننسى أهميّة الآثار البصريّة الموجودة في الذاكرة _آثار لِأشياء في مُقابل الكلمات , أو إلى إنكار إمكان ظهور العمليّات الفكريّة في الشعور عن طريق رُجوعِها من الآثار البصريّة و هي الطريقة التي يفضلها الناس. و تُعطينا دراسة الأحلام و الخيالات (القبل الشعوريّة) , طِبقاً لملاحظات(ج.فاريندونك) , فِكرة عن الطابع الخاص بالتفكير البصريّ .
إن ما يظهر في الشعور هو في العادة مادة التفكير فقط , أما العلاقات التي بين العناصر المختلفة لهذه المادة , و هي ما يُميّز التفكير بصفة خاصَّة , فلا تستطيع أن تظهر في صور بصريّة . التفكير بصورة بصريّة إذن , إنما هو عبارة عن الشعور بشكل ناقص جداً فقط , و هو أكثر قرباً إلى العمليات اللاشعوريّة من التفكير بالألفاظ . إذا كانت هذه إذا هي الطريقة التي يستطيع بها ما هو في ذاتِهِ (لا شعوريّ) أن يُصبح (قبل شُعوريّ) , فكيفَ يستطيع ما هو مكبوت أن يُصبِح قبل شعوري ؟ يُمكن أن يحدث , ما هو مكبوت أثناء التحليل , ببعض الروابط القبل شعوريّة المتوسِّطة .
إن الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة المتعلقة بسلسلة اللذة و الألم , هي أكثر أوليّة من الإدراكات الحسّيّة الخارجيّة , كما أنها تستطيع أن تنشأ حتّى في الحالات التي يكون الشعور فيها غامِضاً .
لا تتميّز الإحساسات اللذيذة بأية كيفيّة نزوعيّة فطريّة , بينما توجد هذه الكيفيّة في الإحساسات المؤلمة بدرجة كبيرة . فالإحساسات المؤلمة تنزع نحو التغيير و نحو التفريغ , و لهذا السبب نفسّر الألم على أنّه يتضمّن ازدياد شحنة الطاقة النفسيّة , و نفسر اللذة على أنها تتضمن خفضها .
و لنفرض أننا نضيف ما نشعر به على هيئة لذة أو ألم بأنه عقليّ كمّيّ أو كيفيّ غير محدد , فالمشكلة حينئذٍ تُصبح : هل يمكن أن يصبح هذا العنصر شعوريّاً في المكان الذي يوجد فيه بالفعل أم هل يجب أن ينتقل أولاً إلى جهاز الإدراك الحسيّ ؟
تدل الخبرة على صحة الرأي الثاني , فهي تبيّن لنا أن هذا العنصر غير المحدد , يتصرّف كما يتصرّف الدافع المكبوت , فهو يستطيع أن يُبدي قوّة دافعة بدون أن يلاحظ الأنا ما في ذلك من إلزام . و لا يصبح هذا العنصر غير المحدد واضحاً في الشعور على هيئة ألم إلا إذا نشأت مقاومة ضد الإلزام . كما يُمكن أن تظل التوترات التي تنشأ عن الحاجة البدنيّة لاشعوريّة . كذلك الألم هو شيء متوسّط بين الإدراك الحسّيّ الخارجي و بين الإدراك الحسّيّ الداخلي , و هو يتصرّف كأنه إدراك حسي داخلي حتى لو كان صادراً عن العالم الخارجي , و إنَّ الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة , تظهر في الشعور حينما تصل إلى جهاز الإدراك الحسيّ .
لا بُدَّ من إيجاد حلقات الربط أولاً قبل أن تتمكن الأفكار اللاشعوريّة من الظهور في الشعور , أما في حالة المشاعر الوجدانيّة , فيمكن أن تنفذ إلى الشعور مباشرةً و بمعنى آخر الفرق بين شعوري و قبل شعوري , يُصبِح بِلا معنى عندما نتكلّم عن المشاعر الوجدانيّة فلا وجود لما قبل الشعور في هذه الحالة . المشاعر الوجدانيّة إما أن تكون شعوريّة أو لاشعوريّة .
حتى لو اتصلت المشاعر الوجدانيّة بالصور اللفظيّة , فإن ظهورها في الشعور لا يتوقّف على هذا الأمر , و إنما تستطيع أن تظهر في الشعور مباشرةً .
دور الصور اللفظيّة هو تحويل العمليّات الفكريّة الداخليّة إلى إدراكات حسّيّة و ذلك يبرهن نظريّة أن مصدر جميع أنواع المعرفة هو الإدراكات الحسيّة الخارجيّة .
و بعد توضيح العلاقات الموجودة بين الإدراك الحسيّ الخارجي و الداخلي و بين جهاز الإدراك الحسي الخارجي (الشعور) , فإننا نستطيع أن نبدأ بشرح فكرتنا عن الأنا .
ينشأ الأنا في جهاز الإدراك الحسّيّ , ثم يبدأ في اشتمال ما قبل الشعور الذي يُجاور الأثار الباقية في الذاكرة , و هو (أي الأنا) منطقة إسقاط لجميع الإحساسات التي تحدث في البدن .
سننظر الآن إلى الفرد باعتبار أنه (هو)نفسيّ مجهول و لاشعوريّ , و يوجد على سطحه (أنا) نما من نواتِهِ جهاز الإدراك الحسيّ و لكن الأنا لا يُحيط بجميع الهوَ و لكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الإدراك الحسّيّ على سطحه, و يشبه ذلك وجود الطبقة الجرثوميّة على البيضة . ليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال , و إنما يندمج جزؤهُ الأسفل في الهو , و لكن الشيء المكبوت مندمج في الهو و جزء منهُ . المكبوت , شيء قد فصلتهُ عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت و هو يستطيع أن يتصل بالأنا عن طريق الهو . فالأنا , هو ذلك القسم من الهو الذي تعدَّل نتيجة تأثير العالم الخارجي فيهِ تأثيراً مباشراً بواسطة جهاز الإدراك الحسيّ(الشعور) , و يقوم الأنا بنقل تأثير العالم الخارجي إلى الهو و ما فيه من نزعات , ويحاول أن يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو . و يلعب الإدراك الحسيّ في الأنا , نفس الدور الذي تلعبهُ الغريزة في الهو و يُمثّل الأنا ما نسمّيهِ الحكمة و سلامة العقل , على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات . وظيفة الأنا تكون عادةً في تولّيهِ الإشراف على منافذ الحركة و تنفيذ رغبات الهو دائماً كأنها رغباته الخاصّة . و يوجد إلى جانب تأثير الإدراك الحسيّ , عامل آخر لهُ دور في تكوين الأنا و تمايزه عن الهو , و هو بدن الشخص ذاته الذي تنبعث منه الإدراكات الحسيّة الخارجيّة و الداخليّة . و إنَّ للألم دوراً في معرفة أعضائنا و هو الطريقة التي نصل بها إلى فكرتنا عن بدننا الخاص .
مسرح نشاط الانفعالات الدنيا موجود في اللاشعور , وكلما ارتفعت درجة الوظيفة العقليّة في سلم قيمنا , كان ظهورها في الشعور أكثر سهولة .
و لكن تبيَّنَ أن حتّى تلك العمليات العقليّة الدقيقة تتطلب في العادة انتباه شديد , فمن الممكن أن تحدث أيضاً و هي قبل شعوريّة و دون أن تظهر في الشعور . قد تحدث هذه العمليّات مثلاً أثناء النوم(عندما يجد شخص عُقب استيقاظه مباشرةً , أنهُ يعرف حل مشكلة كان يحاول حلها عبثاً في اليوم السابق ). و هناك ظاهرة أخرى , هي قوة نقد النفس و قوة الضمير عند الأشخاص , و هُما في مرتبة عالة جداً بين أنواع النشاط العقلي , لا شعوريّتين . يلعب الإحساس اللاشعوري بالذنب دور إقتصادي هام في عدد كبير من الأمراض العصبيّة , فهو يضع أعظم العوائق في طريق الشفاء .
إن الإحساسات البدنيّة , و هي التي تكوِّن حقيقة الأنا , تنفذ إلى الشعور مباشرةً , أمَّا العمليّات العقليّة قد تكون لاشعوريّة و قد لا تستطيع النفاذ إلى الشعور مباشرةً .
-الفصل الثالث-
الأنا و الأنا الأعلى (الأنا المثالي):
إن الاضطراب المؤلم المعروف بالمالنخوليا و هي مرض عقلي يتميّز بحالة من الكآبة تسود المريض , و من أعراضها : الإكتئاب و فقدان الاهتمام بالعالم الخارجي و فقدان القدرة على الحب و الشعور بالنقص و الميل نحو تأنيب الذات و لومها مما يؤدي إلى التوقع الوهمي للعقاب . الأنا عند هؤلاء الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب قد استعاد أحد موضوعات حبِّهِ القديمة , أي أنه قد استبدل حبَّه لهذا الموضوع بتقمُّص شخصيته في أول الأمر . أثناء المرحلة الفهميّة البدائيَّة عند الفرد , يكون من الصعب جداً التمييز بين حب الموضوع و التقمّص , و نفترض أن حب الموضوع يصدر عن الهو الذي يشعر كأنها حاجات , و يفطن الأنا الذي لا يزال ضعيفاً إلى حبه للموضوع و هو إما يستسلم لهذا الحب و إما أن يحاول أن يقي نفسه منه بعمليّة الكبت .
إن التغير الذي يطرأ عن الأنا هو عبارة عن وسيلة يستطيع بها الأنا أن يقبض على زمام الهو و أن يوثق علاقته به و هو يدفع ثمن لذلك استسلامه لخبرات الهو إلى درجة كبيرة . و عندما يتخذ الأنا صفات الموضوع , فإنه يقوم بفرض نفسه على الهو كموضوع للحب و يحاول أن يهوِّن من أمر ضياع ذلك الموضوع بقولِه : ( انظر إنني أشبه الموضوع أيضاً فأنت تستطيع أن تحبني كذلك ) .
إن تحول الليبدو المتعلق بالموضوع إلى ليبدو نرجسي , و هو ما يحدث في هذه الحالة , إنما يتضمن بوضوح التخلي عن الأهداف الجنسيّة . أي يتضمَّن عمليّة سحب الطاقة الجنسيّة , فهو إذن عبارة عن نوع من الإعلاء. فمن الممكن أن تحول الطاقة النفسيّة المتعلقة بالرغبة الجنسيّة نحو أنواع كثيرة من النشاط الغير جنسي , كالألعاب الرياضيّة و الآداب و الفنون . و تُعرَف عملية تجريد الدافع الجنسي من طلقته الجنسيّة بـ(سحب الطاقة الجنسيّة) , أما عمليّة سحب الطاقة الجنسيّة من هدفها الجنسي و تحويلها إلى أهداف غير جنسيّة , تكون مقبولة من المجتمع , فتُعرَف بالإعلاء أو التسامي و هذه هي الطريقة العامة للإعلاء التي تتم بواسطة الأنا .
و بالرغم مما في ذلك من خروج عن موضوعنا , إلا أننا لا نستطيع أن نتجنّب توجيه اهتمامنا نحو تقمصات الأنا للموضوعات . فإذا تغلبت هذه التقمصات على الأنا , و إذا كثر عددها و ازدادت شدَّتُها , و تعارض بعضها مع البعض الآخر , قد ينتج عن ذلك تمزيق لوحدة الأنا . ذلك حينما تأخذ المقاومات تفصل هذه التقمصات المختلفة عن الشعور الواحدة بعد الأخرى . و مهما أصبحت قدرة الشخص على مقاومة تأثير حبه السابق المهجور للموضوع , فإن آثار التقمصات الأولى التي تتم في الأيام الأولى من الطفولة ستكون عامة و باقية للأبد .
و هنا نعود إلى نشأة الأنا المثالي , إذ ورائها يكمن أول و أهم التقمصات و هو تقمص شخصيّة الأب . إن الموضوع كله معقد جداً , و يرجع تعقيد المشكلة إلى عاملين :
1- الصفة الثلاثيّة لموقف أوديب: و هو الموقف الذي تظهر فيه عقدة أوديب و تتلخص في حب الطفل لأمه و كرهه لأبيه و تسمى أوديب الإيجابية , أما حب الطفل لأبيه و كرهه لأمهِ , و هو الاتجاه الذي تسلكه البنت عادةً و يسمى عقدة أوديب السلبيّة . تُطلق عقدة أوديب الكاملة على الحالات التي تظهر فيها عقدة أوديب السلبية و الإيجابيّة عند الطفل الواحد . فقد يحب الطفل أمه أحياناً و يشعر بالتناقض الوجداني تجاه أبيه مما يؤدي إلى تقمص شخصيّة الأب , و قد يحب نفس الطفل أباه أحياناً أخرى و يشعر بالتناقض الوجداني نحو أمه مما يؤدي إلى تقمص شخصيّة الأم . إن عقدة أوديب الكاملة ترجع إلى الثنائية الجنسيّة الموجودة في طبيعة كل طفل . و تتوقف الصورة النهائية التي تتخذها عقدة أوديب على مقدار عناصر الذكورة و الأنوثة الموجودة بالفطرة في طبيعة كل فرد , و على التجارب و الخبرات الشخصيّة التي تعرّض لها في مرحلة الطفولة .
2- الثنائيّة الجنسيّة في بنية كل فرد: و هي وجود خصائص الذكورة و الأنوثة في شخص واحد و تظهر الثنائيّة الجنسيّة بصورة عضويّة حينما توجد أعضاء تناسل الرجل و المرأة في شخص واحد و تُعرف هذه الحالة بالخنوثة . و قد تظهر الثنائيّة الجنسيّة بصورة سيكولوجيّة فقط و ذلك حينما توجد الخصائص و الصفات السيكولوجيّة لكل من الذكورة و الأنوثة .
و تتوقف شخصيّة الفرد و خُلقُهُ إلى حد كبير على مقدار الكبت و التدعيم الذي يتعرض له كل نوع من هذه العناصر في مرحلة الطفولة .
*و يمكن وصف حالة الطفل الذكر في أبسط صورها كما يلي:
يبدأ الولد الصغير في سن مبكرة يشعر بالحب نحو أمّه وهو حب في الأصل متعلق بثدي الأمّ وأول حالة من حالات اختيار الموضوع تنشأ على صورة الاعتماد على الأمّ وهنا يقوم الولد بتقمص شخصيّة الأب وتبقى هاتان العلاقتان جنباً إلى جنب لفترة حتى تأخذ الرغبات الجنسيّة المُّتجهة نحو الأمّ تزداد في الشدة ويبدو الأب كأنه يعوّق تحقيق هذه الرغبات وعن ذلك تنشأ عقدة أوديب ثم يأخذ تقمص شخصيّة الأب صفة عدائية ويتحول إلى رغبة في التخلص من الأب لكي يأخذ مكانه من الأمّ وتصبح علاقته الوجدانية مع الأب متناقضة وهذا أمر طبيعي في التقمص ويتكون من موقف التناقض الوجداني نحو الأب وعلاقة الحب الشديدة نحو الأمّ (مضمون عقدة أوديب الإيجابية)وبزوال عقدة أوديب يصبح من الواجب على الولد أن يتخلى عن حب أمّه وقد يُملأ مكانها أحد الأمرين:
إما بتقمص شخصية الأمّ ،أو زيادة شدّة تقمصه لشخصية أبيه والنتيجة الثانية هي السَّوية لأنها تسمح لعلاقة الحب نحو الأمّ بالبّقاء على نحو ما ويؤدي زوال عقدة أوديب إلى تأكيد صفة الذكورة في الولد وبنفس الطريقة تؤدي عقدة أوديب في البنت زيادة شدة تقمصها لشخصية أمها وتأكيد صفات الأنوثة فيها .
وهناك حالات أخرى تلاحظ عند البنات أكثر من الأولاد وهي أن البنت الصغيرة بعد أن تتخلى عن أبيها من حيث هو موضوع حُبها تأخذ في إظهار ذكورتها وفي تقمص شخصية أبيها (أي تقمص شخصية الموضوع المفقود) بدلاً من تقمص شخصية أمّها وهذا يتوقف على درجة شدة الذكورة في استعدادها الطبيعي.
ويتضح من خبرتنا بالتحليل أن أحد عنصري عقدة أوديب يكون في كثير من الحالات غير ظاهر فيما عدا بعض الآثار الطفيفة بحيث تكون النتيجة وجود سلسلة تقع عقدة أوديب الإيجابية على أحد طرفيها وعلى الطرف الآخر عقدة أوديب السلبية بينما تتكون الحالات المتوسطة من نوع عقدة أوديب الكاملة التي ترجح فيها كفة أحد عنصري عقدة أوديب وعندما تُحل عقدة أوديب فإن الاتجاهات التي تتكون من هذه العقدة تتجمع على نحو ما بحيث تؤدي إلى تقمص شخصية الأب وإلى تقمص شخصية الأمّ وإن النتيجة العامة لعقدة أوديب تشكيل أثر في الأنا يتكون من هذين النوعين من التقمص مجتمعين معاً على نحو ما.
وليس الأنا الأعلى مجرد أثر خلفته اختيارات الموضوع المبكرة التي قام بها الهُو ولكنه يمثل أيضا تكوين رد فعل قوي ضد هذه الاختيارات وليست علاقته بالأنا قاصرة على إتباع هذا القانون ( ينبغي عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك ) ولكنها أيضاً تشمل هذا التحريم ( لا يجب عليك أن تفعل كل ما يفعل فهناك أشياء كثيرة تعتبر من حقوقه الخاصة ) وينشأ هذا الازدواج في علاقة الأنا المثالي من قيامه بمهمة كبت عقدة أوديب وذلك لم يكن بالأمر السهل فقد كان الطفل يدرك أن الوالدين وخاصة الأب يقفان عقبة في سبيل تحقيق الرغبات الأوديبية ولذلك قام أنا الطفل بتقديم هذه المعونة لتحقيق هذا الكبت وذلك بإقامة نفس العائق في داخل نفسه وقد استعار الطفل قوته على القيام بهذه المهمة من الأب فالأنا الأعلى تقوم بالإبقاء على خُلُق الأب وكلما اشتدت وطأة عقدة أوديب كلما كان كبتها يتم بسهولة ( تحت تأثير السلطة والتعاليم الدينية و التعليم) ، كانت سيطرة الأنا الأعلى على الأنا فيما بعد أشد و تظهر هذه السيطرة بصورة الضمير أو الإحساس اللاشعوري بالذنب فإن نشأة الأنا الأعلى تَظهر نتيجة عاملين :أحدهما العامل البيولوجي ،والآخر عامل تاريخي أي أنه يحدث نتيجة الفترة الطويلة التي يقضيها الإنسان في حالة ضعف واعتماد على الغير أثناء طفولته ونتيجة عقدة أوديب التي بَينا أن لكبتها علاقة بظهور مرحلة الكمون التي تعطل نمو الليبدو وبظهور النشاط المزدوج التي تتميز به الحياة الجنسية عند الإنسان فإن فرويد يرى بأن الحياة الجنسية تظهر عقب الولادة مباشرة وتمر بمراحل مختلفة :
*المرحلة الأولى: هي المرحلة الفميّة وتتميز بحصول الطفل على اللذة من منطقة الفم .
*المرحلة الثانية: هي المرحلة الإستية تبدأ حوالي نهاية العام الأول ويحصل الطفل فيها على اللذة عن طريق التبرز، وتظهر فيها بوضوح ميول الطفل العدوانية .
*المرحلة الثالثة: هي المرحلة القضيبية وتبدأ في السنة الثانية أو الثالثة وهي تتميز ببدء اهتمام الطفل بعضو الذكر التناسلي وفي هذه المرحلة تبلغ الحياة الجنسية عند الطفل ذروتها وفيها تقع المرحلة الأوديبية إذ يأخذ الطفل يشعر بميل جنسي نحو أمه ويكره أباه وينتهي الأمر بالوالدين إلى تهديد الطفل بالخصاء ويؤدي ذلك إلى قيام الطفل بكبت عقدة أوديب.
*المرحلة الرابعة: هي مرحلة الكمون وتبدأ عادة حوالي السنة الخامسة أو السادسة وتستمر حتى مرحلة المراهقة وهذه المرحلة يتميز بها الإنسان وليس لها نظير عند الحيوانات ، وفي هذه المرحلة يهدأ النشاط الجنسي عند الطفل وتأخذ طاقته الجنسية تنصرف نحو كثير من أنواع النشاط الغير جنسي .
فالأنا المثالي إذن وريث عقدة أوديب وهو أقوى الدوافع وأهم التقلبات اللبيدية في الهُو وبتكوين هذا الانا المثالي يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب كما يقوم في نفس الوقت بوضع نفسه تحت سلطة الهُو فبينما يقوم الأنا على الأخص بتمثيل العالم الخارجي أي الواقع يقوم الأنا الأعلى على العكس من ذلك بتمثيل العالم الداخلي أي الهو فإن الصراع الذي ينشب بين الأنا والانا المثالي يعكس بالنهاية الخلاف بين ما هو واقعي و ما هو نفسي أي بين العالم الخارجي والداخلي.
...............................................................................تتمة........
الأنا وَ الهوَ - تلخيص
المقدمة :
كان اهتمام العلماء قبل ظهور مدرسة التحليل النفسي متركزاً على دراسة الظواهر العقليّة الشعوريّة , فلم يهتمُّوا بالعمليّات العقليّة اللاشعوريّة التي تُحرِّك سلوك الإنسان و تدفعهُ للقيام بالنشاطات المختلفة . و يرجع الفضل إلى سيغموند فرويد , مُؤسس مدرسة التحليل النفسي (1856-1939) , في اكتشاف الحقيقة الهامة , و هي أن جزء كبير من حياتنا العقليّة لاشعوريّ . و لهُ تأثير كبير على سلوكنا و مشاعرنا , في الناحية السويّة أو فيما نتعرَّض له من اضطرابات نفسيّة .
-الفصل الأوّل-
نظريّة اللاشعور :
يرجِع تاريخ اكتشاف فرويد للاشعور و أهميته في حياة الإنسان إلى وقت اشتغالهِ بدراسة الهستيريا , بالاشتراك مع جوزيف بروير (1841-1925) , أحد أطباء فيينا المشهورين , و اتَّضحَ لهما أثناء الدراسة أن الأعراض الهستيريّة تنشأ عن ذكريات مكبوتة في اللاشعور و هذه الأعراض تزول إذا استطاعَ المريض تذكّر هذه الذكريات (الأحداث) أثناء العلاج .
و لم يكن من السهل أن يقتنع الفلاسِفة بفكرة (العقل اللاشعوري) , كما يقول فرويد ,التي كانت برأيهم تُناقِض المنطِق . فلا بُدَّ أن يكون العقل شعوريّاً , و في هذا الكتاب نجد تعديلاً بآراء فرويد , فيما يتعلَّق باللاشعور و علاقته بأجزاء الجهاز النفسي , عن مؤلفاتِهِ الأولى . و من المعروف أن فرويد كثير التعديل و التغيير لآرائه و نظريّاتهِ على ضوء ما كانت تكشُفهُ لهُ ملاحظاته و أبحاثه من معلومات جديدة .
نظريّة الجهاز النفسيّ :
برأي فرويد , هناك ثلاث أقسام للجهاز النفسي , و هي : الشعور و ما قبل الشعور و اللاشعور .
الشعور: هو ذلك القسم من العمليات النفسيّة التي نشعر بها دون و نُدركها , و من المشاهد أن العمليّات النفسيّة الشعوريّة لا تكون سلسلة متَّصلة , بل يوجد فيها دائماً الكثير من الثغرات و الفجوات , و أن تفسير هذه الثغرات يعود بالرجوع إلى العمليّات النفسيّة التي تجري في القسمين الآخرين من العقل و هُما : (ما قبل الشعور) و (اللاشعور) .
إنّ الشعور حالة وقتيّة -(مؤقتة)- و ليست دائمة , قد تظهر فيها الفكرة لفترة قصيرة ثم تختفي , و بإمكانها الظهور مرة أخرى إذا توافرت شروط معيّنة . عندما تبتعد الفكرة عن الشعور لحينٍ ما , فهي تكون موجودة في قسم معيَّن من الجهاز النفسيّ (ما قبل الشعور) , و يقع في مكان متوسِّط بين الشعور و اللاشعور .
يحوي اللاشعور الدوافع الغريزيّة البدائيّة الجنسيّة و العدوانيّة ’ و التي غالباً ما تُكبَتْ في مجتماتنا المُتحضِّرة , تحت تأثير المعايير الخُلقيَّة و الدينيّة و الاجتماعيَّة التي ينشأ فيها الفرد . و تنزع الدوافع و الرغبات المكبوتة في اللاشعور إلى الإشباع و الظهور في الشعور , و كثيراً ما تلجأ , في سبيل ذلك إلى طرق شاذّة و مُلتوية كما يُشاهَد مثلاً في الأمراض العصبيَّة .
و ذهب فوريد في كتاباتِهِ الأولى إلى أنَّ كبتَ هذه الدوافع الغريزيّة الموجودة في اللاشعور , يتم على يد الرقيب (القوة النفسيّة) , و مهمتها منع ظهور الدوافع الغريزيّة اللاشعوريّة في الشعور , و أنَّ المريض لا يشعُر بها و إذا وُوجِهَ بها , أنكرها و إذا شعرَ بها فلا يستطيع أن يعرِف ما هي و ما هو مصدرها .
(الهُوَ) هو القسم الذي يحوي ما هو موروث و موجود منذ الولادة و ثابت في تركيب البدن , و يحوي الغرائز و العمليات النفسيّة المكبوتة التي فصلتها المقاومة عن الأنا , فالهو يحتوي على جزء فطري و جزء مكتسب .
يُطيع الهو مبدأ اللذة و لا يُراعي المنطِق أو الأخلاق أو الواقع , و اللاشعور هو الكيفيّة الوحيدة التي تسود في الهوَ . و تحت تأثير العالم الخارجي عن طريق جهاز الإدراك الحسي و الشعور , تغيَّر الجزء الخارجي من الهو و نما و أكتسبَ خصائص معيَّنة أطلق عليها اسم (الأنا) و هي تُشرِف على الحركة الإداريّة و تقوم بمهمة حفظ الذات و تقبِض على زمام الرغبات الغريزيّة التي تنبعث من الهو , فيقوم بإشباع ما يشاء و يكبت ما يرى ضرورة كبته مُراعياً (مبدأ الواقِع) . يُمثّل الأنا الحكمة و سلامة العقل على خلاف الهوَ الذي يحوي الانفعالات , و تَقع العمليات النفسية الشعورية على سطح الأنا .
الأنا الأعلى أو الأنا المثالي (ما يُعرَف بالضمير) : و هو الأثر الذي يبقى في النفس من فترة الطفولة الطويلة التي يعيش فيها الطفل معتمداً على والديه و خاضِع لأوامرهم . تتقمَّص الأنا هؤلاء الأشخاص من مدرسين و أهل و تتحوَّل سلطة هؤلاء إلى سلطة داخليَّة في نفس الطفل تُراقِبه و تصدر إليه الأوامر .
و الأنا الأعلى , تُمثل ما هو سامِ في الطبيعة الإنسانيّة (فهو الذي يُمثل علاقتنا بوالدينا و قد عرفنا هذين الكائنين الساميين حين كنّا أطفال صغار و قد أعجبنا بهما و خشيناهما ثم تمثلناهما في أنفُسِنَا ).
بهذا , تُصبح مهمة الأنا شاقة و دقيقة , فيجب عليه مُراعاة السُلطات الثلاث و هي : العالم الخارجي و الهو و الأنا الأعلى , و يُحاول الأنا دائماً أن يوَفق بينها و إذا فشِل , تنشأ الاضطرابات العصبيّة و الذهنيّة .
نظريّة الغرائز :
رأى فرويد أن جميع الظواهر النفسيّة الشعوريّة و اللاشعوريّة , سواء كانت سويّة أو مرضيّة , تصدُر عن قوى أساسيّة , تنبعِث عن التركيب الفسيولوجي و الكيميائي للكائن الحي , تُسمَّى غرائِز و هي الطاقة التي تصدُر عنها جميع ظواهر الحياة .
في بادئ الأمر , فسَّر فرويد أن جميع الظواهر النفسيّة بافتراض مجموعتين أساسيّتين من الغرائز :
- مجموعة أولى : هي غرائز جنسيّة تصدر عن طاقة خاصّة تُسمّى الليبدو (Libido) , تهدف إلى الإشباع و اللذة .
- المجموعة الثانية : هي (غرائز الأنا) , مهمتها حفظ الذات و ذلك بمراعاة العالم الخارجي و مُقتضيات الواقع , و كبت الدوافع الجنسيّة التي تتعارض مع مقتضيات الواقع من جهة, أو مع وظائف غرائز الأنا من جهة أخرى .
تعمل الغرائز وفق مبدأ اللذة , فليس الواقع الغريزي إلا ناتجاً عن حالة من التوتر ينتج عنهُ إحساس بالألم , و يهدف الدافع الغريزي إلى خفض هذا التوتر أو إزالتهِ , و عندما ينخفض التوتر أو يزول , يحدُث الشعور باللذة .
اتخذ فرويد مبدأ اللذة أساس يفسر به الظواهر النفسيّة المختلفة كما الأعراض العصبيّة , و هنا واجهَ فرويد صُعوبات في تفسير بعض الظواهر النفسيّة , فلم يكن من السهل الملائمة بين نظريته السابِقة في الغرائز و بين النرجسيّة و هي ظاهرة تُعبّر عن حب الإنسان لنفسه و عشقهُ لذاته , و هذه الظاهرة تدل على أن الغريزة الجنسيّة لا تتعلق فقط بالأهداف الجنسيّة الخارجيّة , و إنما تتعلق بالذات أيضاً و تتخذها هدفاً لها .
و قد دفع ذلك فرويد إلى القول أن ليبدو الطفل (طاقته الجنسيّة) , معلّقة بذاته و جميع اللذات التي يشعر بها تصدُر من بدنه الخاص , و الأشياء الخارجيّة التي تسبب له شيء من اللذة هي جزء من بدنُه .
ثمَّ تبدأ الموضوعات الخارجيّة تتميّز في نظر الطفل شيئاً فشيئاً , و قد يستمر (حب الذات) جنباً إلى جنب مع حب الموضوع .
و قد شاهد أيضاً أن المرضى يُظهِرون ميل شديد إلى تكرار خبراتهم المؤلمة السابِقة , و استنتجَ فرويد وجود دافع غريزي سمّاه (إجبار التكرار) , و اعتبَرَهُ دافعاً غريزياً أكثر بدائيةً و فطريّة من مبدأ اللذة و يُناقِضهُ , فالمريض لا يحصل على أي لذة من تكرار الخبرات المؤلمة القديمة .
و أثناء الحرب العالميّة الأولى , اكتشفَ ظاهِرة جديدة أيّدت رأيه في مبدأ (إجبار التكرار) تُسمّى (أعصاب الصدمة) , فقد لوحِظَ أن الجنود الذين تعرَّضوا لصدمات أثناء القتال , يُكررون الخبرات المؤلمة في أحلامِهم . و كانت الأحلام بالنسبة لفرويد , وسائل لإشباع الدوافع المكبوتة , و كل إشباع بالطبع يؤدي إلى لذة!
اضطرّ فرويد أمام هذه الحقائق التي ناقشها في كتابه (ما فوق مبدأ اللذة) , أن يقول بوجود ميل غريزي و هو غريزة الموت , يدفع الكائنات إلى الرجوع إلى الحالة الغير عضويّة السابقة للحياة , و تهدُف غريزة الموت إلى الهدم و إنهاء الحياة . وإذا اتَّجهت هذه الغريزة إلى الخارج , ظهرت في صورة رغبة في العدوان و التدمير . تهدف غريزة الموت إلى تفتيت الذرات و تفكيك الارتباطات , أي أنها تهدف إلى هدم الأشياء و إنهاء الحياة .
مقابل غريزة الموت هناك غريزة الحب و الحياة إيروس(Eros) , و هي تهدف دائماً إلى استمراريّة الحياة . و تصبح الحياة صراعاً و حلاً بين هذين الاتِّجاهين .
من الأمثلة النموذجيَّة على إتحاد هاتين المجموعتين , الساديّة (التلذذ في إيلام الغير) و هي عِبارة عن إتحاد الغرائز الجنسيّة مع غرائز الهدم الموجهة نحو العالم الخارجي , و تنشأ الماسوكيّة (التلذذ في إيلام الذات) عن اتحاد الغرائز الجنسيّة مع غرائز الهدم الموجهة ضد الذات .
زيادة العدوان الجنسيّ من شأنِِهِ أن يجعل المُحِب قاتِلاً , و بينما يؤدي النقصان الكبير في العامل العدواني إلى الخجل أو فقدان القدرة الجنسيّة . قد تنفصل هاتان المجموعتان من الغرائز , فنُشاهد غريزة الموت تظهر بوضوح في نوبة الصرع في الكثير من الأمراض العصبية الشديدة كالأمراض العصبية القهريّة .
(ما فوق مبدأ اللذة)
الشُّعور و اللاشعور :
لفظ (شعوري) , من جهة أولى , هو لفظ وصفي بحت يعتمد على إدراك حسّي ذي طابع مباشر , و تُبيِّن الخبرة من جهة ثانية أن العنصر النفسي كالفكرة مثلاً لا يكون شعوريّاً دائماً . الفكرة التي تكون شعوريّة الآن لا تظل شعوريّة , و نستطيع أن نقول أن الفكرة كانت كامنة و نعني بذلك أنها (تستطيع أن تُصبح شعوريّة) في أي وقت .
السبب في أن مثل هذه الأفكار لا يُمكنها أن تصبح شعوريّة لأن هناك قوى معيّنة تُقاومها , و لولا ذلك لكان في إمكانها أن تصبح شعوريّة . و هناك حقيقة تجعل هذه النظريّة غير قابلة للرفض و هي أننا وجدنا في التحليل النفسيّ وسيلة يُمكن بها إزالة القوّة المُقاومة و جعل الأفكار المُقَاومة شعريّة , و نُسمي الحالة التي تكون فيها الأفكار قبل أن تُصبح شعوريّة بـ (الكبت).
إننا نستمد مفهومنا في اللاشعور من نظريّة الكبت و نعتبر المكبوت كنموذج للاشعور , و مع ذلك يوجد نوعان من اللاشعور . اللاشعور الذي يكون كامناً و لكنه يستطيع أن يُصبح شعوريّاً , و اللاشعور المكبوت الذي لا يستطيع بذاتِهِ و بدون كثير من العناء أن يُصبح شعوريّاً . فما هو (كامن و لا شعوري) بالمعنى الوصفيّ , و ليس بالمعنى الدينامي , فهُنا نُسمّيهِ (قبل الشعور) .
• يوجد في كل فرد منظمة دقيقة للعمليات العقليّة و قد سمَّيناها (الأنا) , و يشمُل هذا الأنا الشعور و يُشرِف على وسائل الحركة , أي تفريغ التهيُّجات في العالم الخارجي , و هو المنظمة العقليّة التي تُشرف على جميع العمليات العقلية , و هي التي تنام في الليل و مع ذلك تستمر بمراقبة الأحلام . يصدُر عنها أيضاً الكبت الذي تمنع بِهِ بعض نزعات العقل , لا من الظهور في الشعور و حسب , بل من الظهور في سائر الصور و النشاطات الأخرى .
تظهر هذه النزعات المكبوتة أثناء التحليل متعارضة مع الأنا , و المريض يجد الكثير من المشقّة حينما نُجابِهُهُ ببعض المهام أثناء التحليل . كما نرى تداعي أفكاره يتوقَّف كلما اقترب من الأشياء المكبوتة و لا يكون المريض متنبّه لتلك المقاومة . ثمَّ وجدنا في الأنا ذاته شيئاً لاشعوريّاً أيضاً و هو يتصرَّف كالشيء المكبوت , أي كشيء يُحدِث آثاراً بالِغة بدون أن يكون هو نفسه ظاهراً في الشُعور , و هو يحتاج إلى مجهود خاص قبل أن يستطيع الظهور في الشعور .
إننا نُدرِك أن اللاشعور لا يتطابق مع المكبوت و لا يزال صحيحاً أن كل ما هو مكبوت , لاشعوريّ , و لكن ليس كل ما هو لاشُعوريّ , مكبوت . فإن جزءً من الأنا لاشعوري و ليس هذا اللاشعور المُتعلِّق بالأنا كامناً مثل ما قبل الشعور , لأنه لو كان كذلك لما استطاع أن ينشط بدون أن يُصبِح شعوريّاً و لتمَّت عمليّة جعلِهِ شعوريّاً بدون أن تُلاقي مثل هذه المشقّة العظيمة . عندما نجد أنفسنا مضطرين إلى افتراض لاشعور ثالث لا يكون مكبوت , فمن الواجب أن نعترف أن خاصيِّة اللاشعور أخذت تفقد أهميّتها لأنها بدأت تُصبح كيفيّة , تستطيع أن تتضمَّن معاني كثيرة و مع ذلك لا يجوز نكران أهميتها , لأن كيفيّة الشعور أو اللاشعور هي شُعاع الضوء الوحيد الذي ينفذ إلى ظلام سيكولوجيّة الأعماق .
-الفصل الثاني-
الأنا و الهُوا :
الآن , قد أصبحت معرفتنا كلها بدون استثناء مرتبطة باللاشعور . و حتى معرفتنا باللاشعور , ليس من الممكن أن تتم إلا بجعلهِ شعورياً , و لكن كيف يمكن ذلك ؟ ما هو معنى قولنا (بجعلهِ شعوريّاً) ؟ و كيف يحدث ذلك ؟
الشعور هو سطح الجهاز العقلي , و قد جعلناهُ وظيفة لجهاز هو من الناحية المكانيّة أول ما يتصل به من العالم الخارجي (ما أثبتهُ البحث التشريحي).
إن جميع الإدراكات التي تصلنا من الخارج ( الإدراكات الحسيّة) , و من الداخل ما نسميها الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة, إنما هي شعوريّة من البداية . و لكن ما هو شأن تلك العمليات الداخلية التي قد نُطلق عليها في شيء من الغموض اسم (العمليات الفكريّة)؟! . إنها عبارة عن عمليات بديلة للطاقة العقليّة , تمّت في مكان ما داخل الجهاز أثناء اتجاه هذه الطاقة نحو الحركة . و لسنا ندري هل تقترب هذه العمليات الفكريّة من سطح الجهاز الذي يسمح حينئذ بحدوث الشعور , أم أنّ الشعور هو الذي ينتقل إليها ؟ و هذه إحدى الصعوبات التي تنشأ عندما يبدأ الإنسان بأخذ النظريّة المكانية للحياة العقليّة بصورة جديّة , و كِلا هذين الاحتمالين لا يمكن تخيُّله و لا بدَّ أن يكون هناك احتمال ثالث .
سبق أن افترضنا أن الفرق الحقيقي بين المعنى (أو الفكرة) اللاشعوري و المعنى قبل اللاشعوري , إنما يتلخص في أن المعنى الأول ينشأ من مادة تظل غير معروفة , بينما يكون المعنى الثاني قبل الشعور و , بالإضافة لذلك , مرتبطاً بعض الصور اللفظيّة . يبدو إذن أن هذا السؤال ( كيف يُصبِح المعنى شعوريّاً ؟) , يُمكن أن يُوضّح بطريقة أفضل , على هذه الصورة (كيف يُصبِح المعنى شعوريّاً ؟) . و يُصبِح الجواب هو : (بأن يرتبط بالصور اللفظيّة المطابِقة لهُ) , و هذه الصور اللفظيّة هي الآثار الباقية في الذاكِرة و قد كانت في وقتٍ ما إدراكات حسّيّة , و تستطيع مثل جميع الآثار الباقية في الذاكرة أن تُصبِح شعوريّة مرَّة أخرى .
إن ذلك الشيء الذي كان إدراكاً حسّيّاً شعوريّاً , هو وحدهُ الذي يستطيع أن يُصبِح شعوريّاً . و إن أي شيء يأتي من الداخل (ما عدا المشاعر الوجدانيّة) و يُحاول أن يُصبِح شعوريّاً , يجب أن يُحوِّل نفسه إلى إدراكات حسّيّة خارجيّة . و من الممكن أن يحدث ذلك عن طريق الآثار الباقية في الذاكرة .
إننا نتصوَّر الآثار الباقية في الذاكرة بأنها مُجاوِرة لجهاز الإدراك الحسّيّ-الشعوري مُباشرةً . و بذلك تستطيع الشحنات النفسيّة المتعلقة بهذه الآثار أن تمتد بسهولة نحو العناصر الموجودة بجهاز الإدراك الحسّيّ و الشعور . و نتذكّر هنا الهلاوس و أن أكثر الذكريات قوة تكون دائماً متميّزة عن كلٍ من الهلوسة و الإدراك الحسّيّ الخارجي , و بأنه عندما تعود إحدى الذكريات فإن الشحنة النفسيّة تظل باقية في جهاز الذاكرة , أما الهلوسة التي لا تكون متميّزة عن الإدراك الحسّيّ فلا تحدث بمجرّد امتداد الشحنة النفسيّة من الأثر الباقي في الذاكرة نحو عنصر الإدراك الحسّيّ فقط و إنّما بالانتقال إليهِ كليّاً .
تُستَمدّ الآثار اللفظيّة أولاً من الإدراكات السمعيّة و لِذلك كان لجهاز ما قبل الشعور مصدر حسّيّ خاص أما العناصر البصريّة من الصور اللفظيّة , فهي شيء ثانوي و تُكتَسب عن طريق القراءة و قد تلعب الصور الذهنيّة الحركيّة للكلمات دوراً ثانويّاً إلا في حالة الصم البكم , فأساس الكلمة هو فوق كل شيء الأثر الذي يبقى في الذاكرة عن الكلمة التي تُسمع .
لا يجب ان ننسى أهميّة الآثار البصريّة الموجودة في الذاكرة _آثار لِأشياء في مُقابل الكلمات , أو إلى إنكار إمكان ظهور العمليّات الفكريّة في الشعور عن طريق رُجوعِها من الآثار البصريّة و هي الطريقة التي يفضلها الناس. و تُعطينا دراسة الأحلام و الخيالات (القبل الشعوريّة) , طِبقاً لملاحظات(ج.فاريندونك) , فِكرة عن الطابع الخاص بالتفكير البصريّ .
إن ما يظهر في الشعور هو في العادة مادة التفكير فقط , أما العلاقات التي بين العناصر المختلفة لهذه المادة , و هي ما يُميّز التفكير بصفة خاصَّة , فلا تستطيع أن تظهر في صور بصريّة . التفكير بصورة بصريّة إذن , إنما هو عبارة عن الشعور بشكل ناقص جداً فقط , و هو أكثر قرباً إلى العمليات اللاشعوريّة من التفكير بالألفاظ . إذا كانت هذه إذا هي الطريقة التي يستطيع بها ما هو في ذاتِهِ (لا شعوريّ) أن يُصبح (قبل شُعوريّ) , فكيفَ يستطيع ما هو مكبوت أن يُصبِح قبل شعوري ؟ يُمكن أن يحدث , ما هو مكبوت أثناء التحليل , ببعض الروابط القبل شعوريّة المتوسِّطة .
إن الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة المتعلقة بسلسلة اللذة و الألم , هي أكثر أوليّة من الإدراكات الحسّيّة الخارجيّة , كما أنها تستطيع أن تنشأ حتّى في الحالات التي يكون الشعور فيها غامِضاً .
لا تتميّز الإحساسات اللذيذة بأية كيفيّة نزوعيّة فطريّة , بينما توجد هذه الكيفيّة في الإحساسات المؤلمة بدرجة كبيرة . فالإحساسات المؤلمة تنزع نحو التغيير و نحو التفريغ , و لهذا السبب نفسّر الألم على أنّه يتضمّن ازدياد شحنة الطاقة النفسيّة , و نفسر اللذة على أنها تتضمن خفضها .
و لنفرض أننا نضيف ما نشعر به على هيئة لذة أو ألم بأنه عقليّ كمّيّ أو كيفيّ غير محدد , فالمشكلة حينئذٍ تُصبح : هل يمكن أن يصبح هذا العنصر شعوريّاً في المكان الذي يوجد فيه بالفعل أم هل يجب أن ينتقل أولاً إلى جهاز الإدراك الحسيّ ؟
تدل الخبرة على صحة الرأي الثاني , فهي تبيّن لنا أن هذا العنصر غير المحدد , يتصرّف كما يتصرّف الدافع المكبوت , فهو يستطيع أن يُبدي قوّة دافعة بدون أن يلاحظ الأنا ما في ذلك من إلزام . و لا يصبح هذا العنصر غير المحدد واضحاً في الشعور على هيئة ألم إلا إذا نشأت مقاومة ضد الإلزام . كما يُمكن أن تظل التوترات التي تنشأ عن الحاجة البدنيّة لاشعوريّة . كذلك الألم هو شيء متوسّط بين الإدراك الحسّيّ الخارجي و بين الإدراك الحسّيّ الداخلي , و هو يتصرّف كأنه إدراك حسي داخلي حتى لو كان صادراً عن العالم الخارجي , و إنَّ الإحساسات و المشاعر الوجدانيّة , تظهر في الشعور حينما تصل إلى جهاز الإدراك الحسيّ .
لا بُدَّ من إيجاد حلقات الربط أولاً قبل أن تتمكن الأفكار اللاشعوريّة من الظهور في الشعور , أما في حالة المشاعر الوجدانيّة , فيمكن أن تنفذ إلى الشعور مباشرةً و بمعنى آخر الفرق بين شعوري و قبل شعوري , يُصبِح بِلا معنى عندما نتكلّم عن المشاعر الوجدانيّة فلا وجود لما قبل الشعور في هذه الحالة . المشاعر الوجدانيّة إما أن تكون شعوريّة أو لاشعوريّة .
حتى لو اتصلت المشاعر الوجدانيّة بالصور اللفظيّة , فإن ظهورها في الشعور لا يتوقّف على هذا الأمر , و إنما تستطيع أن تظهر في الشعور مباشرةً .
دور الصور اللفظيّة هو تحويل العمليّات الفكريّة الداخليّة إلى إدراكات حسّيّة و ذلك يبرهن نظريّة أن مصدر جميع أنواع المعرفة هو الإدراكات الحسيّة الخارجيّة .
و بعد توضيح العلاقات الموجودة بين الإدراك الحسيّ الخارجي و الداخلي و بين جهاز الإدراك الحسي الخارجي (الشعور) , فإننا نستطيع أن نبدأ بشرح فكرتنا عن الأنا .
ينشأ الأنا في جهاز الإدراك الحسّيّ , ثم يبدأ في اشتمال ما قبل الشعور الذي يُجاور الأثار الباقية في الذاكرة , و هو (أي الأنا) منطقة إسقاط لجميع الإحساسات التي تحدث في البدن .
سننظر الآن إلى الفرد باعتبار أنه (هو)نفسيّ مجهول و لاشعوريّ , و يوجد على سطحه (أنا) نما من نواتِهِ جهاز الإدراك الحسيّ و لكن الأنا لا يُحيط بجميع الهوَ و لكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الإدراك الحسّيّ على سطحه, و يشبه ذلك وجود الطبقة الجرثوميّة على البيضة . ليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال , و إنما يندمج جزؤهُ الأسفل في الهو , و لكن الشيء المكبوت مندمج في الهو و جزء منهُ . المكبوت , شيء قد فصلتهُ عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت و هو يستطيع أن يتصل بالأنا عن طريق الهو . فالأنا , هو ذلك القسم من الهو الذي تعدَّل نتيجة تأثير العالم الخارجي فيهِ تأثيراً مباشراً بواسطة جهاز الإدراك الحسيّ(الشعور) , و يقوم الأنا بنقل تأثير العالم الخارجي إلى الهو و ما فيه من نزعات , ويحاول أن يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو . و يلعب الإدراك الحسيّ في الأنا , نفس الدور الذي تلعبهُ الغريزة في الهو و يُمثّل الأنا ما نسمّيهِ الحكمة و سلامة العقل , على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات . وظيفة الأنا تكون عادةً في تولّيهِ الإشراف على منافذ الحركة و تنفيذ رغبات الهو دائماً كأنها رغباته الخاصّة . و يوجد إلى جانب تأثير الإدراك الحسيّ , عامل آخر لهُ دور في تكوين الأنا و تمايزه عن الهو , و هو بدن الشخص ذاته الذي تنبعث منه الإدراكات الحسيّة الخارجيّة و الداخليّة . و إنَّ للألم دوراً في معرفة أعضائنا و هو الطريقة التي نصل بها إلى فكرتنا عن بدننا الخاص .
مسرح نشاط الانفعالات الدنيا موجود في اللاشعور , وكلما ارتفعت درجة الوظيفة العقليّة في سلم قيمنا , كان ظهورها في الشعور أكثر سهولة .
و لكن تبيَّنَ أن حتّى تلك العمليات العقليّة الدقيقة تتطلب في العادة انتباه شديد , فمن الممكن أن تحدث أيضاً و هي قبل شعوريّة و دون أن تظهر في الشعور . قد تحدث هذه العمليّات مثلاً أثناء النوم(عندما يجد شخص عُقب استيقاظه مباشرةً , أنهُ يعرف حل مشكلة كان يحاول حلها عبثاً في اليوم السابق ). و هناك ظاهرة أخرى , هي قوة نقد النفس و قوة الضمير عند الأشخاص , و هُما في مرتبة عالة جداً بين أنواع النشاط العقلي , لا شعوريّتين . يلعب الإحساس اللاشعوري بالذنب دور إقتصادي هام في عدد كبير من الأمراض العصبيّة , فهو يضع أعظم العوائق في طريق الشفاء .
إن الإحساسات البدنيّة , و هي التي تكوِّن حقيقة الأنا , تنفذ إلى الشعور مباشرةً , أمَّا العمليّات العقليّة قد تكون لاشعوريّة و قد لا تستطيع النفاذ إلى الشعور مباشرةً .
-الفصل الثالث-
الأنا و الأنا الأعلى (الأنا المثالي):
إن الاضطراب المؤلم المعروف بالمالنخوليا و هي مرض عقلي يتميّز بحالة من الكآبة تسود المريض , و من أعراضها : الإكتئاب و فقدان الاهتمام بالعالم الخارجي و فقدان القدرة على الحب و الشعور بالنقص و الميل نحو تأنيب الذات و لومها مما يؤدي إلى التوقع الوهمي للعقاب . الأنا عند هؤلاء الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب قد استعاد أحد موضوعات حبِّهِ القديمة , أي أنه قد استبدل حبَّه لهذا الموضوع بتقمُّص شخصيته في أول الأمر . أثناء المرحلة الفهميّة البدائيَّة عند الفرد , يكون من الصعب جداً التمييز بين حب الموضوع و التقمّص , و نفترض أن حب الموضوع يصدر عن الهو الذي يشعر كأنها حاجات , و يفطن الأنا الذي لا يزال ضعيفاً إلى حبه للموضوع و هو إما يستسلم لهذا الحب و إما أن يحاول أن يقي نفسه منه بعمليّة الكبت .
إن التغير الذي يطرأ عن الأنا هو عبارة عن وسيلة يستطيع بها الأنا أن يقبض على زمام الهو و أن يوثق علاقته به و هو يدفع ثمن لذلك استسلامه لخبرات الهو إلى درجة كبيرة . و عندما يتخذ الأنا صفات الموضوع , فإنه يقوم بفرض نفسه على الهو كموضوع للحب و يحاول أن يهوِّن من أمر ضياع ذلك الموضوع بقولِه : ( انظر إنني أشبه الموضوع أيضاً فأنت تستطيع أن تحبني كذلك ) .
إن تحول الليبدو المتعلق بالموضوع إلى ليبدو نرجسي , و هو ما يحدث في هذه الحالة , إنما يتضمن بوضوح التخلي عن الأهداف الجنسيّة . أي يتضمَّن عمليّة سحب الطاقة الجنسيّة , فهو إذن عبارة عن نوع من الإعلاء. فمن الممكن أن تحول الطاقة النفسيّة المتعلقة بالرغبة الجنسيّة نحو أنواع كثيرة من النشاط الغير جنسي , كالألعاب الرياضيّة و الآداب و الفنون . و تُعرَف عملية تجريد الدافع الجنسي من طلقته الجنسيّة بـ(سحب الطاقة الجنسيّة) , أما عمليّة سحب الطاقة الجنسيّة من هدفها الجنسي و تحويلها إلى أهداف غير جنسيّة , تكون مقبولة من المجتمع , فتُعرَف بالإعلاء أو التسامي و هذه هي الطريقة العامة للإعلاء التي تتم بواسطة الأنا .
و بالرغم مما في ذلك من خروج عن موضوعنا , إلا أننا لا نستطيع أن نتجنّب توجيه اهتمامنا نحو تقمصات الأنا للموضوعات . فإذا تغلبت هذه التقمصات على الأنا , و إذا كثر عددها و ازدادت شدَّتُها , و تعارض بعضها مع البعض الآخر , قد ينتج عن ذلك تمزيق لوحدة الأنا . ذلك حينما تأخذ المقاومات تفصل هذه التقمصات المختلفة عن الشعور الواحدة بعد الأخرى . و مهما أصبحت قدرة الشخص على مقاومة تأثير حبه السابق المهجور للموضوع , فإن آثار التقمصات الأولى التي تتم في الأيام الأولى من الطفولة ستكون عامة و باقية للأبد .
و هنا نعود إلى نشأة الأنا المثالي , إذ ورائها يكمن أول و أهم التقمصات و هو تقمص شخصيّة الأب . إن الموضوع كله معقد جداً , و يرجع تعقيد المشكلة إلى عاملين :
1- الصفة الثلاثيّة لموقف أوديب: و هو الموقف الذي تظهر فيه عقدة أوديب و تتلخص في حب الطفل لأمه و كرهه لأبيه و تسمى أوديب الإيجابية , أما حب الطفل لأبيه و كرهه لأمهِ , و هو الاتجاه الذي تسلكه البنت عادةً و يسمى عقدة أوديب السلبيّة . تُطلق عقدة أوديب الكاملة على الحالات التي تظهر فيها عقدة أوديب السلبية و الإيجابيّة عند الطفل الواحد . فقد يحب الطفل أمه أحياناً و يشعر بالتناقض الوجداني تجاه أبيه مما يؤدي إلى تقمص شخصيّة الأب , و قد يحب نفس الطفل أباه أحياناً أخرى و يشعر بالتناقض الوجداني نحو أمه مما يؤدي إلى تقمص شخصيّة الأم . إن عقدة أوديب الكاملة ترجع إلى الثنائية الجنسيّة الموجودة في طبيعة كل طفل . و تتوقف الصورة النهائية التي تتخذها عقدة أوديب على مقدار عناصر الذكورة و الأنوثة الموجودة بالفطرة في طبيعة كل فرد , و على التجارب و الخبرات الشخصيّة التي تعرّض لها في مرحلة الطفولة .
2- الثنائيّة الجنسيّة في بنية كل فرد: و هي وجود خصائص الذكورة و الأنوثة في شخص واحد و تظهر الثنائيّة الجنسيّة بصورة عضويّة حينما توجد أعضاء تناسل الرجل و المرأة في شخص واحد و تُعرف هذه الحالة بالخنوثة . و قد تظهر الثنائيّة الجنسيّة بصورة سيكولوجيّة فقط و ذلك حينما توجد الخصائص و الصفات السيكولوجيّة لكل من الذكورة و الأنوثة .
و تتوقف شخصيّة الفرد و خُلقُهُ إلى حد كبير على مقدار الكبت و التدعيم الذي يتعرض له كل نوع من هذه العناصر في مرحلة الطفولة .
*و يمكن وصف حالة الطفل الذكر في أبسط صورها كما يلي:
يبدأ الولد الصغير في سن مبكرة يشعر بالحب نحو أمّه وهو حب في الأصل متعلق بثدي الأمّ وأول حالة من حالات اختيار الموضوع تنشأ على صورة الاعتماد على الأمّ وهنا يقوم الولد بتقمص شخصيّة الأب وتبقى هاتان العلاقتان جنباً إلى جنب لفترة حتى تأخذ الرغبات الجنسيّة المُّتجهة نحو الأمّ تزداد في الشدة ويبدو الأب كأنه يعوّق تحقيق هذه الرغبات وعن ذلك تنشأ عقدة أوديب ثم يأخذ تقمص شخصيّة الأب صفة عدائية ويتحول إلى رغبة في التخلص من الأب لكي يأخذ مكانه من الأمّ وتصبح علاقته الوجدانية مع الأب متناقضة وهذا أمر طبيعي في التقمص ويتكون من موقف التناقض الوجداني نحو الأب وعلاقة الحب الشديدة نحو الأمّ (مضمون عقدة أوديب الإيجابية)وبزوال عقدة أوديب يصبح من الواجب على الولد أن يتخلى عن حب أمّه وقد يُملأ مكانها أحد الأمرين:
إما بتقمص شخصية الأمّ ،أو زيادة شدّة تقمصه لشخصية أبيه والنتيجة الثانية هي السَّوية لأنها تسمح لعلاقة الحب نحو الأمّ بالبّقاء على نحو ما ويؤدي زوال عقدة أوديب إلى تأكيد صفة الذكورة في الولد وبنفس الطريقة تؤدي عقدة أوديب في البنت زيادة شدة تقمصها لشخصية أمها وتأكيد صفات الأنوثة فيها .
وهناك حالات أخرى تلاحظ عند البنات أكثر من الأولاد وهي أن البنت الصغيرة بعد أن تتخلى عن أبيها من حيث هو موضوع حُبها تأخذ في إظهار ذكورتها وفي تقمص شخصية أبيها (أي تقمص شخصية الموضوع المفقود) بدلاً من تقمص شخصية أمّها وهذا يتوقف على درجة شدة الذكورة في استعدادها الطبيعي.
ويتضح من خبرتنا بالتحليل أن أحد عنصري عقدة أوديب يكون في كثير من الحالات غير ظاهر فيما عدا بعض الآثار الطفيفة بحيث تكون النتيجة وجود سلسلة تقع عقدة أوديب الإيجابية على أحد طرفيها وعلى الطرف الآخر عقدة أوديب السلبية بينما تتكون الحالات المتوسطة من نوع عقدة أوديب الكاملة التي ترجح فيها كفة أحد عنصري عقدة أوديب وعندما تُحل عقدة أوديب فإن الاتجاهات التي تتكون من هذه العقدة تتجمع على نحو ما بحيث تؤدي إلى تقمص شخصية الأب وإلى تقمص شخصية الأمّ وإن النتيجة العامة لعقدة أوديب تشكيل أثر في الأنا يتكون من هذين النوعين من التقمص مجتمعين معاً على نحو ما.
وليس الأنا الأعلى مجرد أثر خلفته اختيارات الموضوع المبكرة التي قام بها الهُو ولكنه يمثل أيضا تكوين رد فعل قوي ضد هذه الاختيارات وليست علاقته بالأنا قاصرة على إتباع هذا القانون ( ينبغي عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك ) ولكنها أيضاً تشمل هذا التحريم ( لا يجب عليك أن تفعل كل ما يفعل فهناك أشياء كثيرة تعتبر من حقوقه الخاصة ) وينشأ هذا الازدواج في علاقة الأنا المثالي من قيامه بمهمة كبت عقدة أوديب وذلك لم يكن بالأمر السهل فقد كان الطفل يدرك أن الوالدين وخاصة الأب يقفان عقبة في سبيل تحقيق الرغبات الأوديبية ولذلك قام أنا الطفل بتقديم هذه المعونة لتحقيق هذا الكبت وذلك بإقامة نفس العائق في داخل نفسه وقد استعار الطفل قوته على القيام بهذه المهمة من الأب فالأنا الأعلى تقوم بالإبقاء على خُلُق الأب وكلما اشتدت وطأة عقدة أوديب كلما كان كبتها يتم بسهولة ( تحت تأثير السلطة والتعاليم الدينية و التعليم) ، كانت سيطرة الأنا الأعلى على الأنا فيما بعد أشد و تظهر هذه السيطرة بصورة الضمير أو الإحساس اللاشعوري بالذنب فإن نشأة الأنا الأعلى تَظهر نتيجة عاملين :أحدهما العامل البيولوجي ،والآخر عامل تاريخي أي أنه يحدث نتيجة الفترة الطويلة التي يقضيها الإنسان في حالة ضعف واعتماد على الغير أثناء طفولته ونتيجة عقدة أوديب التي بَينا أن لكبتها علاقة بظهور مرحلة الكمون التي تعطل نمو الليبدو وبظهور النشاط المزدوج التي تتميز به الحياة الجنسية عند الإنسان فإن فرويد يرى بأن الحياة الجنسية تظهر عقب الولادة مباشرة وتمر بمراحل مختلفة :
*المرحلة الأولى: هي المرحلة الفميّة وتتميز بحصول الطفل على اللذة من منطقة الفم .
*المرحلة الثانية: هي المرحلة الإستية تبدأ حوالي نهاية العام الأول ويحصل الطفل فيها على اللذة عن طريق التبرز، وتظهر فيها بوضوح ميول الطفل العدوانية .
*المرحلة الثالثة: هي المرحلة القضيبية وتبدأ في السنة الثانية أو الثالثة وهي تتميز ببدء اهتمام الطفل بعضو الذكر التناسلي وفي هذه المرحلة تبلغ الحياة الجنسية عند الطفل ذروتها وفيها تقع المرحلة الأوديبية إذ يأخذ الطفل يشعر بميل جنسي نحو أمه ويكره أباه وينتهي الأمر بالوالدين إلى تهديد الطفل بالخصاء ويؤدي ذلك إلى قيام الطفل بكبت عقدة أوديب.
*المرحلة الرابعة: هي مرحلة الكمون وتبدأ عادة حوالي السنة الخامسة أو السادسة وتستمر حتى مرحلة المراهقة وهذه المرحلة يتميز بها الإنسان وليس لها نظير عند الحيوانات ، وفي هذه المرحلة يهدأ النشاط الجنسي عند الطفل وتأخذ طاقته الجنسية تنصرف نحو كثير من أنواع النشاط الغير جنسي .
فالأنا المثالي إذن وريث عقدة أوديب وهو أقوى الدوافع وأهم التقلبات اللبيدية في الهُو وبتكوين هذا الانا المثالي يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب كما يقوم في نفس الوقت بوضع نفسه تحت سلطة الهُو فبينما يقوم الأنا على الأخص بتمثيل العالم الخارجي أي الواقع يقوم الأنا الأعلى على العكس من ذلك بتمثيل العالم الداخلي أي الهو فإن الصراع الذي ينشب بين الأنا والانا المثالي يعكس بالنهاية الخلاف بين ما هو واقعي و ما هو نفسي أي بين العالم الخارجي والداخلي.
...............................................................................تتمة........
forever trust in who we are and nothing eals matters
-

ميس الريم - مشاركات: 6
- اشترك في: الثلاثاء يناير 15, 2008 1:36 pm
- الجنس:






