اليوم هو الاثنين أكتوبر 20, 2014 2:59 pm
حجم الخط

علوم إنسانيّة

تغذية نسخة للطباعة

الفلسفة !

غرفة مخصصة لعرض ونقاش مواضيع العلوم الإنسانية: علم النفس, الفلسفة, علم الاجتماع, علم الإنسان, التاريخ ..

الفلسفة !

رقم المشاركة:#1  مشاركةبواسطة ذو الجلال و الإكرام » الجمعة أغسطس 19, 2011 5:01 am

إنـي ما رأيت شخصا يتطرق لتعريف مفهوم الفلسفة إلا و شممت فيه رائحة الصلف و التكلف و محاولة إلباس الفلسفة رداء الكهنوت و اللاهوت و الغموض و ما إلى ذالك من أوصاف مثل : إنها صعبة التعريف ، تعريفها يحتاج إلى تفلسف أولا ، إن الفلسفة عالم آخر , علما أنها في ذاتها مجرد طريقة في التفكير و تحليل الأمور بسيطة في منشأها صعبة في نظر الغير عسيرةٌ ، لا ليس هذا كل ما قيل في الفلسفة ، بل إنهم ليلصقون صفة الفلسفة بأي مجنون يأتي بأفكار غريبة و يشك في كثير أمور مثل ( أهذا نهار أم ليل ) فتسمع العوام تلفظ : إنه يتلفلسف و هذا سر جنونه ، إذا فالفلسفة ضرب من ضروب الجنون تقدم للناس أحجيات بدل الحلول ، فلا أرسطو و لا ديكارت و لا كانط قد أفادوا البشرية ، أهذا صحيح ؟ لا ! في الواقع إن كل شخص يعلم تمام العلم ما قدمه أقطاب الفلسفة الأربعة بإجماع النقاد ( أفلاطون ، أرسطو ، ديكارت و كانط ) للعلم و للبشرية لَلُجِموا خزيا من مقامهم في المجتمع و عن تهافتهم في استخدام مصطلح الفلسفة .يتمحور تعريف الفلسفة بشكل أساسي حول طرح السؤال و لا شك عندي في أن طرح السؤال مسألة بينة عندكم ، فإن السؤال يطرحه الفيلسوف و المتفلسف و الفرق بين الإثنين كبير ، التفلسف philosophizing مجرد نزوة عابرة يطرح فيها المتفلسف أسئلة بحجم ضخم و كبير مثل مصدر الوجود و هل يوجد خالق للكون و هل نحن كائنات أخلاقية و ما إلى ذالك من مواضيع الفلسفة الكبرى التي أشكلت الفلاسفة ، غير أنها ما تبقى كثيرا فتمر مرور الكرام فترى المتفلسف ذاك قد عاد إلى عمله برّاحًا في السوق أو موظفا في البنك ، أما الفيلسوف فإن مهنته هي طرح الأسئلة ، فإذا انتهى من طرح سؤال انتقل لآخر و الذي قد تولد بطبيعة الحال عن السؤال الأول ، فإن الفيلسوف يطرح الأسئلة طول مدة حياته كون عملية طرح الأسئلة هي مهنة الفيلسوف بينما يكتفي المتفلسف بطرح أسئلة بنفس الضخامة و الأهمية في أوقات الفراغ فقط . في هذا التعريف استغنينا عن المرادف التقليدي الذي لقنوه لنا في المدارس و هو محبة الحكمة و أول من نطق به هو فيثاغورس و ما إلى ذالك من الأجوبة الجاهزة و المبكمة ، تجدر الإشارة إلى أن سبب إضفاء لمسات الغموض و الظلام التابعة دائما لتعريف الفلسفة في المنتديات العربية الرخيصة هو راجع لشخصيات بعض أشهر الفلاسفة و ليس إلى الفلسفة ذاتها ، فلو رجعنا مثلا إلى فلاسفة أروبا لوجدنا نيتشه ذو الشاربين المجدولين و الوجه الغريب قد صارع حصانا و حاول أن يقاتله حتى بادره الحصان بالركل و التطويح في الهواء فإذا به يغدو جثةً على الأرض لا حراك ، و نفس الأمر مع شوبنهور الذي ضرب جارته التي كانت تنق كثيرا و دفعها من الدرج ، حتى و لو عدنا إلى فلاسفة إغريقيا القدماء لوجدناهم غامضين مثل هرقليطوس و الكلبي و سقراط ، و لأن ما يهمنا في الفلسفة هي الفلسفة ذاتها لا الفيلسوف و حياته فكما قال شوبنهور ذات يوم في مَن ينسى فكر الفيسلوف و يركز على حياته [ إن أولائك الأوغاد الذين يدرسون حياة الفيلسوف كيما يفهموا فكره بدل أن يدرسوا الفكر ذاته كمثل الذي انتصب أمام لوحة فنية فإذا به يدرس إطارها و يتفحصه أهو جيد أم متخلخل ، متين أم متهاوٍ . مطليٌ أم لا ] فإنه لا لبس بعد اليوم في تعريف الفلسفة و لا كلمات شعرية تعقد أكثر مما تشرح و تصعب أكثر مما تفسر .
الفرق بين الفيلسوف و المفكر :
طبعا هناك فرق بين الإثنين و هو واضح من الأسماء فقط فما بالك أيها القارئ بالفرق الذي سيتجلى لنا حين نطّلع على وظيفة أو قيمة كل من المفكر و الفيلسوف ، يزخر العالم العربي بمفكرين في الشرق و الغرب فلو نظرنا إلى مصر رأينا عبد الرحمان البدوي و الذي يعتبر من أكثر المفكرين العرب صرامة و غزارة في الإنتاج ، أما لو توجهنا إلى المغرب فسنجد سيد المفكرين العرب على حد قولهم و هو محمد عابد الجابري و الذي نقد العقل العربي في ثلاثية تعتبر باكورة إنتاجه ، و غير أولائك كثرٌ أمثال عبد الله العروي من المغرب و محمد أركون من الجزائر ، غالبا ما تعتبر بعض العامة كل الأسماء المذكورة على أنهم فلاسفة و تسقط عليهم اسم فيلسوف فتسمع و أنت تقرأ الفيلسوف عابد الجابري حامل إزميل ابن رشدٍ ، و الفيلسوف عبد الرحمن بدوي كما قال طه حسين في هذا الأخير [ أرى فيلسوفا مصريا لأول مرة ] ، نفهم أن أولائك الأشخاص يدرسون الفلسفة و يشاركون في موكب الفلاسفة بإعطاء الرأي و شرح بعض الفلسفات و نقدها إلخ ، فلا حرج لو التبس الأمر على عامي و قال عبد الله العروي و محمد عابر الجابري من الفلاسفة المغاربة و هذا ما أتذكره للمفكر العربي عزمي بشار حين قال إذ قال [ نعلم أن المغرب بلد الفلاسفة ... ] فجعل هو أيضا و كمفكر يعلم الفرق بين الإثنين جعل من المفكرينَ فلاسفةً ، و هنا نرى أن المفكر و العامي يستعملان مصطلح فيلسوف بنفس المعنى الخاطئ ، كل هذا لازال جائزا لأنه قد ينبع عن تقارب خلفيتي المفكر و الفيلسوف ، إلا أن الإدمان في استعمال المصطلح يظهر حين إسقاطه على بعض الأدباء و الشعراء مثل جبران خليل جبران و نجيب محفوظ ، نعلم أن نجيب محفوظ موجز في الفلسفة و تعتبر كتاباته من أشهى و أذكى ما كتبه العرب حديثا ، إذا عدنا إلى حقبة العباسيين وجدنا أبا العلاء المعري و الذي يلقب أيضا بالفيلسوف علما أنه ليس كذالك ، إذا ذهبنا إلى بلد مصر وجدنا هيباتا الإسكندرية و التي تعرف بكونها واحدة من النساء اللائي كدن يحظين بلقب فيلسوفة ، إلا أنها لم تنجح كغيرها ، ما أود أن أقوله الآن هو أنه لا تولستوي و لا دستفكي و لا المعري و لا عابد الجابري و لا البدوي يستحقون لقب فيلسوف ، الحق أننا لو ذهبنا إلى قائمة ما يسمى بالفلاسفة الكلاسيكيين أنفسهم لوجدنا بعض المفكرين الذي انحشروا ضمن عصبة الفلاسفة دونما سبب ، سأوضح الآن الفرق بين الفيلسوف و المفكر ، إن الفيلسوف يعطي نظرة شاملة عن أغلب مواضيع النقاش المثارة في عصره و غير المثارة فيكون الفيلسوف هو الذي يثيرها ، فلو أخذنا أرسطو على سبيل المثال فهو النموذج الحي للفلسفة و هي تمشي على قدميها ، أما أفلاطون فأمره ليس بخلاف عن أمر تلميذه أرسطو إذ تحدث في المثل و العقل و المرأة السياسة و تنظيم الدولة كل هذا و أكثر في محاوراته الشهيرة ، حتى أن بعض مؤرخي الفلسفة ذهبوا إلى أن أول فيلسوف في التاريخ هو أفلاطون فهو الرجل الذي تبدأ بفلسفته كل الفلسفة فلا سقراط و لا طاليس فلاسفة إنما متفلسفون و قد وضحنا الفرق بين الاثنين . إلا إنني لن أبدي برأيي في هذا الصدد لأن أفلاطون هو من الفلاسفة اليونانيين القلة الذين وصلتنا أعمالهم شبه كاملة ، سقراط لم يكتب شيئا و من سبقوه وصلتنا بعض من مقالاتهم و أقوالهم مشكوك في أمر بعضها لذا فإنه من التهافت أن نحكم على كون أحدهم فيلسوفا أو لا و نحن لسنا متأكدين من أن كل ما كتب ذاك الفيلسوف هو ما وصلنا و أنه لم يكتب في مواضيع أخرى فضاعت كتاباته . فإذا أتينا إلى الفلسفة الحديثة وجدنا مؤسسها ديكارت قد شرع يكتب في كل شيء بنفس الغزارة التي كتب بها من سبق فيكتب في الحرب و السياسة و العقل و التقنية و التطور و الطبيعة ، و نفس الأمر مع مؤسس الفلسفة النقدية كانط و من ثم نيتشه و شوبنهور و هو يعتبر آخر فيلسوف كلاسيكي و هكذا دواليك ، و حينما يكتب الفلاسفة فإنهم يدركون الحمل الثقيل الذي يحملونه على ظهرهم ألا و هو مرتبة فيلسوف المجتمع أو فيلسوف العالم ، فإن المجتمعات تنتظر أن تطَبَّق فلسفته لتكون دستورا و حكما بين الأشخاص و تصرفاتهم إلخ ، فكانط و ديكارت يعتبران من مؤسسي العقلية الغربية التي نراها الآن في تعاملاتها و سياساتها الخارجية و ما إلى ذالك من التصرفات السياسة و الداخلية و الخارجية ، و نيتشه الذي بدأت إعادة نظر شاملة في قراءة فلسفته بعيدا عن كونها مجرد قيئ مريضٍ فاشستي لتحاول المجتمعات الغربية و النخب الفكرية و المثقفون أن تعتبرها من الركائز المهمة لها ، الخلاصة أن الفيلسوف يرسم طريقا للبشرية تعبره فإذا توقفت عند أي إشكال ديني أو علمي أو فلسفي كان الفيلسوف هو الحكيم الذي يلجأ إليه المجتمع ليشرح له تلك النقطة . أما المفكر فهو لا يعدو أن يكون مسَّاح طاولات مقارنة بالذي يأكل على تلك الطاولة ، فهو يختص بشرح أو إعطاء شروحات لفلسفة أحدهم و التعقيب عليها و قد يحدث أن يسرد حياته و تأثيرها على فلسفته و عقليته كما في حالة عبد الرحمن بدوي حينما يسرد سيرة حياة نيتشه و شوبنهور و يقارن بين حياتهم و فكرهم , فالفيلسوف إذن يمتلك مذهبا كاملا و يبث في الطب و الدين و العقل و الأخلاق و السياسة فيرسم إديلوجيته الكاملة التي قد يرفضها المجتمع و قد يقبلها ، بينما يكتفي المفكر بالتحدث في إحدى تلك المواضيع فإذا تحدث في السياسة ما تحدث في الدين و إذا تحدث في الدين و السياسة ما تحدث في الفلك و إذا تحدث في هذا كله ما أسهب كتابةً بل اكتفى بإعطاء وجهات نظر بسيطة و سريعة . نقول المذهب الكانطي نسبة إلى كانط فيتبادر إلى أذهاننا مذهبه بكل ما يحويه من نقد للعقل المجرد و العملي و إذا قلنا المذهب النيتشاوي تبادرت إلى أذهاننا فلسفة المطرقة إلخ ، فهل نستطيع أن نقول المذهب البدوي نسبة إلى عبد الرحمان بدوي ؟ هل نستطيع أن نقول المذهب العروي نسبة إلى العروي ؟ فالمفكر للفيلسوف كما باسط السجاد للملك ، دوره أن يبسط و يشرح و يفسر أما دور الفيلسوف فهو أن يوجه و يلقن و يصحح و يُقلِّم البشر و فوق ذالك كله أن يطرح الأسئلة , إن عمله يختص بالإشكالات الكبرى التي هولت البشرية و أرقت مضجعها ، الخلاصة هي [ الفيلسوف يشرح ما نجهله في الوجود و المفكر يشرح ما نجهله في الفلسفة ] ، و لما كان الفرق بين الإثنين كبيرا بمكان وجب علينا الحذر و الدقة في استعمال كل من المصطلحين استعمالا دقيقا .
لا شك أن الله صار يموت يوما بعد يوم كعجوز مريض، و الذي لا شك فيه أننا صرنا نموت معه موتةً لا رجعة فيها، مصيبتنا نحن بني آدم تكمن في قدرتنا على التفكير.
صورة العضو الشخصية
ذو الجلال و الإكرام
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 574
اشترك في: الأحد أكتوبر 17, 2010 9:45 pm
الجنس: ذكر

Re: الفلسفة !

رقم المشاركة:#2  مشاركةبواسطة ذو الجلال و الإكرام » الجمعة أغسطس 19, 2011 5:12 am

سَأُكْمِلُ الْمقَالَ مَتَى رَاقَ ِليَّ الْأَمرُ !
صورة العضو الشخصية
ذو الجلال و الإكرام
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 574
اشترك في: الأحد أكتوبر 17, 2010 9:45 pm
الجنس: ذكر

Re: الفلسفة !

رقم المشاركة:#3  مشاركةبواسطة توضاخمرا » الأحد سبتمبر 11, 2011 4:15 pm

مقال ممتاز على الرغم من بعض الحدية اللاذعة التي تتخلله .
يستشف منه بأن الفلاسفة الحقيقيين هم مبدعي المفاهيم بشكل دائم
و بالتالي فالفلسفة هي ابداع المفهوم و الذي هو التجريد .
تحياتي عزيزي :f0:
ثعبان أعشق الآبار المهجورة ، نزعت جلدي و عطلت أجراسي ، و أعمل الآن كمرشد للموتى
صورة العضو الشخصية
توضاخمرا
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 919
اشترك في: الاثنين يناير 07, 2008 10:21 pm
مكان: oslo
الجنس: ذكر

Re: الفلسفة !

رقم المشاركة:#4  مشاركةبواسطة heudevil » الأحد يوليو 06, 2014 12:35 am

لااستطيع الرد عليك الا ب جمل كـ(جميل..رائع..طرح جميل..الخ) لأنك لم تبق لاحد شيئا
وعندي اضافة وهي
ان الفلسفة ليست بطرح الاسئلة بل هي تختص بايجاد الاجوبة والحاجة لهذه الاجوبة هي التي تطلبت طرح الاسئلة المناسبة
اي ان الفلسفة هي ايجاد الاجوبة المناسبة لكل شيء في هذا الكون
اجوبة ترتقي بالكائنات الى اللانهاية
ومن هنا آمرك امرا لافضلا ان تكمل هذا المقال!
شكّك..ثم شكّك..ثم شكّك..ثم ابحث..ثم طوّر..والا وقعت على وجهك انت وأمّتك!
“ففي زمن من الأزمان كان من الجنون أن تعتقد أن الارض تدور حول الشمس ،أما اليوم فالجنون هو أن تعتقد أن الماضي غير قابل للتبديل.” __جورج أورويل 1984
صورة العضو الشخصية
heudevil
مشترك برونزي
 
مشاركات: 25
اشترك في: الأحد إبريل 13, 2014 10:56 am
مكان: Multiverse
الجنس: ذكر


العودة إلى علوم إنسانيّة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

Site Login