اليوم هو الأربعاء إبريل 16, 2014 5:59 pm
حجم الخط

علوم إنسانيّة

تغذية نسخة للطباعة

الفلسفة !

غرفة مخصصة لعرض ونقاش مواضيع العلوم الإنسانية: علم النفس, الفلسفة, علم الاجتماع, علم الإنسان, التاريخ ..

الفلسفة !

رقم المشاركة:#1  مشاركةبواسطة ذو الجلال و الإكرام » الجمعة أغسطس 19, 2011 5:01 am

إنـي ما رأيت شخصا يتطرق لتعريف مفهوم الفلسفة إلا و شممت فيه رائحة الصلف و التكلف و محاولة إلباس الفلسفة رداء الكهنوت و اللاهوت و الغموض و ما إلى ذالك من أوصاف مثل : إنها صعبة التعريف ، تعريفها يحتاج إلى تفلسف أولا ، إن الفلسفة عالم آخر , علما أنها في ذاتها مجرد طريقة في التفكير و تحليل الأمور بسيطة في منشأها صعبة في نظر الغير عسيرةٌ ، لا ليس هذا كل ما قيل في الفلسفة ، بل إنهم ليلصقون صفة الفلسفة بأي مجنون يأتي بأفكار غريبة و يشك في كثير أمور مثل ( أهذا نهار أم ليل ) فتسمع العوام تلفظ : إنه يتلفلسف و هذا سر جنونه ، إذا فالفلسفة ضرب من ضروب الجنون تقدم للناس أحجيات بدل الحلول ، فلا أرسطو و لا ديكارت و لا كانط قد أفادوا البشرية ، أهذا صحيح ؟ لا ! في الواقع إن كل شخص يعلم تمام العلم ما قدمه أقطاب الفلسفة الأربعة بإجماع النقاد ( أفلاطون ، أرسطو ، ديكارت و كانط ) للعلم و للبشرية لَلُجِموا خزيا من مقامهم في المجتمع و عن تهافتهم في استخدام مصطلح الفلسفة .يتمحور تعريف الفلسفة بشكل أساسي حول طرح السؤال و لا شك عندي في أن طرح السؤال مسألة بينة عندكم ، فإن السؤال يطرحه الفيلسوف و المتفلسف و الفرق بين الإثنين كبير ، التفلسف philosophizing مجرد نزوة عابرة يطرح فيها المتفلسف أسئلة بحجم ضخم و كبير مثل مصدر الوجود و هل يوجد خالق للكون و هل نحن كائنات أخلاقية و ما إلى ذالك من مواضيع الفلسفة الكبرى التي أشكلت الفلاسفة ، غير أنها ما تبقى كثيرا فتمر مرور الكرام فترى المتفلسف ذاك قد عاد إلى عمله برّاحًا في السوق أو موظفا في البنك ، أما الفيلسوف فإن مهنته هي طرح الأسئلة ، فإذا انتهى من طرح سؤال انتقل لآخر و الذي قد تولد بطبيعة الحال عن السؤال الأول ، فإن الفيلسوف يطرح الأسئلة طول مدة حياته كون عملية طرح الأسئلة هي مهنة الفيلسوف بينما يكتفي المتفلسف بطرح أسئلة بنفس الضخامة و الأهمية في أوقات الفراغ فقط . في هذا التعريف استغنينا عن المرادف التقليدي الذي لقنوه لنا في المدارس و هو محبة الحكمة و أول من نطق به هو فيثاغورس و ما إلى ذالك من الأجوبة الجاهزة و المبكمة ، تجدر الإشارة إلى أن سبب إضفاء لمسات الغموض و الظلام التابعة دائما لتعريف الفلسفة في المنتديات العربية الرخيصة هو راجع لشخصيات بعض أشهر الفلاسفة و ليس إلى الفلسفة ذاتها ، فلو رجعنا مثلا إلى فلاسفة أروبا لوجدنا نيتشه ذو الشاربين المجدولين و الوجه الغريب قد صارع حصانا و حاول أن يقاتله حتى بادره الحصان بالركل و التطويح في الهواء فإذا به يغدو جثةً على الأرض لا حراك ، و نفس الأمر مع شوبنهور الذي ضرب جارته التي كانت تنق كثيرا و دفعها من الدرج ، حتى و لو عدنا إلى فلاسفة إغريقيا القدماء لوجدناهم غامضين مثل هرقليطوس و الكلبي و سقراط ، و لأن ما يهمنا في الفلسفة هي الفلسفة ذاتها لا الفيلسوف و حياته فكما قال شوبنهور ذات يوم في مَن ينسى فكر الفيسلوف و يركز على حياته [ إن أولائك الأوغاد الذين يدرسون حياة الفيلسوف كيما يفهموا فكره بدل أن يدرسوا الفكر ذاته كمثل الذي انتصب أمام لوحة فنية فإذا به يدرس إطارها و يتفحصه أهو جيد أم متخلخل ، متين أم متهاوٍ . مطليٌ أم لا ] فإنه لا لبس بعد اليوم في تعريف الفلسفة و لا كلمات شعرية تعقد أكثر مما تشرح و تصعب أكثر مما تفسر .
الفرق بين الفيلسوف و المفكر :
طبعا هناك فرق بين الإثنين و هو واضح من الأسماء فقط فما بالك أيها القارئ بالفرق الذي سيتجلى لنا حين نطّلع على وظيفة أو قيمة كل من المفكر و الفيلسوف ، يزخر العالم العربي بمفكرين في الشرق و الغرب فلو نظرنا إلى مصر رأينا عبد الرحمان البدوي و الذي يعتبر من أكثر المفكرين العرب صرامة و غزارة في الإنتاج ، أما لو توجهنا إلى المغرب فسنجد سيد المفكرين العرب على حد قولهم و هو محمد عابد الجابري و الذي نقد العقل العربي في ثلاثية تعتبر باكورة إنتاجه ، و غير أولائك كثرٌ أمثال عبد الله العروي من المغرب و محمد أركون من الجزائر ، غالبا ما تعتبر بعض العامة كل الأسماء المذكورة على أنهم فلاسفة و تسقط عليهم اسم فيلسوف فتسمع و أنت تقرأ الفيلسوف عابد الجابري حامل إزميل ابن رشدٍ ، و الفيلسوف عبد الرحمن بدوي كما قال طه حسين في هذا الأخير [ أرى فيلسوفا مصريا لأول مرة ] ، نفهم أن أولائك الأشخاص يدرسون الفلسفة و يشاركون في موكب الفلاسفة بإعطاء الرأي و شرح بعض الفلسفات و نقدها إلخ ، فلا حرج لو التبس الأمر على عامي و قال عبد الله العروي و محمد عابر الجابري من الفلاسفة المغاربة و هذا ما أتذكره للمفكر العربي عزمي بشار حين قال إذ قال [ نعلم أن المغرب بلد الفلاسفة ... ] فجعل هو أيضا و كمفكر يعلم الفرق بين الإثنين جعل من المفكرينَ فلاسفةً ، و هنا نرى أن المفكر و العامي يستعملان مصطلح فيلسوف بنفس المعنى الخاطئ ، كل هذا لازال جائزا لأنه قد ينبع عن تقارب خلفيتي المفكر و الفيلسوف ، إلا أن الإدمان في استعمال المصطلح يظهر حين إسقاطه على بعض الأدباء و الشعراء مثل جبران خليل جبران و نجيب محفوظ ، نعلم أن نجيب محفوظ موجز في الفلسفة و تعتبر كتاباته من أشهى و أذكى ما كتبه العرب حديثا ، إذا عدنا إلى حقبة العباسيين وجدنا أبا العلاء المعري و الذي يلقب أيضا بالفيلسوف علما أنه ليس كذالك ، إذا ذهبنا إلى بلد مصر وجدنا هيباتا الإسكندرية و التي تعرف بكونها واحدة من النساء اللائي كدن يحظين بلقب فيلسوفة ، إلا أنها لم تنجح كغيرها ، ما أود أن أقوله الآن هو أنه لا تولستوي و لا دستفكي و لا المعري و لا عابد الجابري و لا البدوي يستحقون لقب فيلسوف ، الحق أننا لو ذهبنا إلى قائمة ما يسمى بالفلاسفة الكلاسيكيين أنفسهم لوجدنا بعض المفكرين الذي انحشروا ضمن عصبة الفلاسفة دونما سبب ، سأوضح الآن الفرق بين الفيلسوف و المفكر ، إن الفيلسوف يعطي نظرة شاملة عن أغلب مواضيع النقاش المثارة في عصره و غير المثارة فيكون الفيلسوف هو الذي يثيرها ، فلو أخذنا أرسطو على سبيل المثال فهو النموذج الحي للفلسفة و هي تمشي على قدميها ، أما أفلاطون فأمره ليس بخلاف عن أمر تلميذه أرسطو إذ تحدث في المثل و العقل و المرأة السياسة و تنظيم الدولة كل هذا و أكثر في محاوراته الشهيرة ، حتى أن بعض مؤرخي الفلسفة ذهبوا إلى أن أول فيلسوف في التاريخ هو أفلاطون فهو الرجل الذي تبدأ بفلسفته كل الفلسفة فلا سقراط و لا طاليس فلاسفة إنما متفلسفون و قد وضحنا الفرق بين الاثنين . إلا إنني لن أبدي برأيي في هذا الصدد لأن أفلاطون هو من الفلاسفة اليونانيين القلة الذين وصلتنا أعمالهم شبه كاملة ، سقراط لم يكتب شيئا و من سبقوه وصلتنا بعض من مقالاتهم و أقوالهم مشكوك في أمر بعضها لذا فإنه من التهافت أن نحكم على كون أحدهم فيلسوفا أو لا و نحن لسنا متأكدين من أن كل ما كتب ذاك الفيلسوف هو ما وصلنا و أنه لم يكتب في مواضيع أخرى فضاعت كتاباته . فإذا أتينا إلى الفلسفة الحديثة وجدنا مؤسسها ديكارت قد شرع يكتب في كل شيء بنفس الغزارة التي كتب بها من سبق فيكتب في الحرب و السياسة و العقل و التقنية و التطور و الطبيعة ، و نفس الأمر مع مؤسس الفلسفة النقدية كانط و من ثم نيتشه و شوبنهور و هو يعتبر آخر فيلسوف كلاسيكي و هكذا دواليك ، و حينما يكتب الفلاسفة فإنهم يدركون الحمل الثقيل الذي يحملونه على ظهرهم ألا و هو مرتبة فيلسوف المجتمع أو فيلسوف العالم ، فإن المجتمعات تنتظر أن تطَبَّق فلسفته لتكون دستورا و حكما بين الأشخاص و تصرفاتهم إلخ ، فكانط و ديكارت يعتبران من مؤسسي العقلية الغربية التي نراها الآن في تعاملاتها و سياساتها الخارجية و ما إلى ذالك من التصرفات السياسة و الداخلية و الخارجية ، و نيتشه الذي بدأت إعادة نظر شاملة في قراءة فلسفته بعيدا عن كونها مجرد قيئ مريضٍ فاشستي لتحاول المجتمعات الغربية و النخب الفكرية و المثقفون أن تعتبرها من الركائز المهمة لها ، الخلاصة أن الفيلسوف يرسم طريقا للبشرية تعبره فإذا توقفت عند أي إشكال ديني أو علمي أو فلسفي كان الفيلسوف هو الحكيم الذي يلجأ إليه المجتمع ليشرح له تلك النقطة . أما المفكر فهو لا يعدو أن يكون مسَّاح طاولات مقارنة بالذي يأكل على تلك الطاولة ، فهو يختص بشرح أو إعطاء شروحات لفلسفة أحدهم و التعقيب عليها و قد يحدث أن يسرد حياته و تأثيرها على فلسفته و عقليته كما في حالة عبد الرحمن بدوي حينما يسرد سيرة حياة نيتشه و شوبنهور و يقارن بين حياتهم و فكرهم , فالفيلسوف إذن يمتلك مذهبا كاملا و يبث في الطب و الدين و العقل و الأخلاق و السياسة فيرسم إديلوجيته الكاملة التي قد يرفضها المجتمع و قد يقبلها ، بينما يكتفي المفكر بالتحدث في إحدى تلك المواضيع فإذا تحدث في السياسة ما تحدث في الدين و إذا تحدث في الدين و السياسة ما تحدث في الفلك و إذا تحدث في هذا كله ما أسهب كتابةً بل اكتفى بإعطاء وجهات نظر بسيطة و سريعة . نقول المذهب الكانطي نسبة إلى كانط فيتبادر إلى أذهاننا مذهبه بكل ما يحويه من نقد للعقل المجرد و العملي و إذا قلنا المذهب النيتشاوي تبادرت إلى أذهاننا فلسفة المطرقة إلخ ، فهل نستطيع أن نقول المذهب البدوي نسبة إلى عبد الرحمان بدوي ؟ هل نستطيع أن نقول المذهب العروي نسبة إلى العروي ؟ فالمفكر للفيلسوف كما باسط السجاد للملك ، دوره أن يبسط و يشرح و يفسر أما دور الفيلسوف فهو أن يوجه و يلقن و يصحح و يُقلِّم البشر و فوق ذالك كله أن يطرح الأسئلة , إن عمله يختص بالإشكالات الكبرى التي هولت البشرية و أرقت مضجعها ، الخلاصة هي [ الفيلسوف يشرح ما نجهله في الوجود و المفكر يشرح ما نجهله في الفلسفة ] ، و لما كان الفرق بين الإثنين كبيرا بمكان وجب علينا الحذر و الدقة في استعمال كل من المصطلحين استعمالا دقيقا .
لا شك أن الله صار يموت يوما بعد يوم كعجوز مريض، و الذي لا شك فيه أننا صرنا نموت معه موتةً لا رجعة فيها، مصيبتنا نحن بني آدم تكمن في قدرتنا على التفكير.
صورة العضو الشخصية
ذو الجلال و الإكرام
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 571
اشترك في: الأحد أكتوبر 17, 2010 9:45 pm
الجنس: ذكر

Re: الفلسفة !

رقم المشاركة:#2  مشاركةبواسطة ذو الجلال و الإكرام » الجمعة أغسطس 19, 2011 5:12 am

سَأُكْمِلُ الْمقَالَ مَتَى رَاقَ ِليَّ الْأَمرُ !
صورة العضو الشخصية
ذو الجلال و الإكرام
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 571
اشترك في: الأحد أكتوبر 17, 2010 9:45 pm
الجنس: ذكر

Re: الفلسفة !

رقم المشاركة:#3  مشاركةبواسطة توضاخمرا » الأحد سبتمبر 11, 2011 4:15 pm

مقال ممتاز على الرغم من بعض الحدية اللاذعة التي تتخلله .
يستشف منه بأن الفلاسفة الحقيقيين هم مبدعي المفاهيم بشكل دائم
و بالتالي فالفلسفة هي ابداع المفهوم و الذي هو التجريد .
تحياتي عزيزي :f0:
ثعبان أعشق الآبار المهجورة ، نزعت جلدي و عطلت أجراسي ، و أعمل الآن كمرشد للموتى
صورة العضو الشخصية
توضاخمرا
مشترك بلاتيني
 
مشاركات: 919
اشترك في: الاثنين يناير 07, 2008 10:21 pm
مكان: oslo
الجنس: ذكر


العودة إلى علوم إنسانيّة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار

Site Login